facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين أزمة “المؤثرين” ووهم قراءة التحول الإعلامي


فيصل تايه
18-05-2026 10:29 AM

​لم يكن الجدل الذي أعقب تصريحات وزير الاتصال الحكومي في منتدى “تواصل ٢٠٢٦” مجرد خلاف عارض على أدوات الاتصال أو توصيفات إعلامية مستحدثة، بقدر ما كشف عن ارتباك أعمق يعيشه المجال العام في لحظة انتقال تتغير فيها طبيعة التأثير وحدود السلطة الإعلامية نفسها ، إذ بدا النقاش في ظاهره سجالاً بين الصحافة والمنصات الرقمية، بينما كان في جوهره يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: كيف يمكن فهم بيئة إعلامية لم تعد تعمل بمنطق المركز الواحد، ولم تعد محكومة بالمعايير التقليدية التي شكّلت المجال العام لعقود طويلة؟

​وفي هذا السياق، لا يمكن اختزال المقاربتين—الرسمية التي تدفع نحو التكيف مع واقع رقمي سريع ومتعدد الفاعلين، والمهنية التي تتمسك بدور الصحافة كمرجعية للتحقق وضبط المعنى—في صورة صراع صفري، فكلاهما ينطلق من هاجس مشروع: الأول يرى التحول واقعاً لا يمكن تجاوزه، والثاني يرى فيه مساحة يجب ألا تُترك بلا معايير أو ضوابط مهنية.

​وبيد أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود الصحافة أو “المؤثرين” بحد ذاته، بل في طريقة اختزال العلاقة بينهما وكأننا أمام بديلين متقابلين، بينما الواقع أكثر تركيباً وتشابكاً من ذلك بكثير. فالمجال العام لم يعد يخضع لتراتبية إعلامية مغلقة، بل أصبح فضاءً مفتوحاً تتداخل فيه المؤسسات مع المنصات، ويتجاور فيه الصحفي مع صانع المحتوى داخل دائرة تأثير واحدة، وإن اختلفت الوظائف والمعايير.

​ومن هنا، يفتح هذا النقاش سؤالاً لا يقل أهمية عن أصل الإشكال نفسه: من الذي يملك حق منح «صفة المؤثر» أو نزعها في المجال العام؟ هل هي المؤسسات الإعلامية بما تملكه من خبرة مهنية؟ أم الأطر التنظيمية والقانونية؟ أم السوق الرقمي بمعاييره القائمة على الانتشار والتفاعل؟ أم الجمهور نفسه الذي يشارك فعلياً في صناعة هذا التعريف عبر اختياراته وتفاعله؟
​وليس المقصود الوصول إلى إجابة حاسمة، بقدر ما هو التأكيد على أن معيار «التأثير» لم يعد معياراً مركزياً بسيطاً، بل أصبح نتاج تقاطع معقد بين أكثر من قوة في آن واحد.

​على أن الإشكالية الأعمق محلياً لا تتعلق فقط بوجود “المؤثرين”، بل بالمعايير التي منحت بعض أشكال المحتوى شرعية هذا المفهوم ، فعندما يتحول المحتوى القائم على التسطيح أو الإثارة أو الاستهلاك اللحظي إلى النموذج الأكثر حضوراً في البيئة الرقمية، تصبح الأزمة أعمق من مجرد اختلاف في أدوات الاتصال؛ إنها أزمة ذائقة عامة ومعايير ثقافية وإعلامية خلطت بين الشهرة والقيمة، وبين الانتشار والوعي، وبين عدّادات المشاهدة والقدرة الحقيقية على التأثير.

​وهنا تحديداً، برزت ملاحظات واعتراضات من إعلاميين وصحفيين ومثقفين تجاه مصطلح “المؤثرين”، ليس رفضاً لفكرة التأثير الرقمي في حد ذاته، بل اعتراضاً على منح بعض النماذج التي تعتمد على محتوى تفاهي سريع أو تسخيفي أو دعائي، موقعاً في تشكيل الوعي العام أو الحديث باسم المجتمع وقيمه.

​وهذا اعتراض مفهوم في جزء كبير منه، لأن التأثير الحقيقي لا يُقاس بحجم الوصول فقط، بل بعمق الرسالة ومسؤولية الخطاب وأثره في الوعي والسلوك العام ، فليس كل من يمتلك منصة او صفحة يستحق صفة “مؤثر”، كما أن الشهرة الرقمية لا تمنح تلقائياً شرعية معرفية أو أخلاقية أو وطنية.

​لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحول هذا النقد إلى رفض شامل للفاعلين الرقميين أو التقليل من الدور الذي يمكن أن يؤديه صناع محتوى جادون في مجالات الثقافة والمعرفة والتوعية والهوية الوطنية ، فالمجتمعات الحديثة لا تُبنى عبر المؤسسات الرسمية والإعلام التقليدي وحدهما، بل أيضاً عبر أصوات رقمية تمتلك خطاباً مسؤولاً وقادراً على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها.

​ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق برفض “المؤثرين”، بل بنوعية التأثير الذي يحتاجه المجتمع فعلاً ، فلماذا لا يتصدر المشهد مؤثرون يمتلكون محتوى ثقافياً أو معرفياً أو تربوياً أو وطنياً؟ ولماذا تُترك المساحة لنماذج تقوم على الضجيج والصخب أكثر من القيمة؟ فالمجتمعات لا تُبنى بالانتشار وحده، بل بالأثر الذي يرسّخ الوعي ويعزز القيم ويصنع معنى يتجاوز اللحظة العابرة.

​وفي المقابل، فإن اختزال الصحافة في شكلها التقليدي لم يعد دقيقاً ، فالصحافة لم تفقد دورها في التحقق والتوثيق وصناعة الخبر، لكنها لم تعد تحتكر المجال العام كما كان سابقاً، ما يجعل الحاجة اليوم أكبر إلى تنظيم العلاقة بين الإعلام المهني والفضاء الرقمي ضمن أطر واضحة تحفظ الحق في التعبير، دون المساس بمسؤولية المعلومة ومهنيتها، خصوصاً في ظل التحولات التشريعية التي باتت تتعامل مع الإعلام الرقمي بوصفه جزءاً من المجال الإعلامي لا خارجاً عنه.

​وهكذا، لم تعد المسألة: من يحل محل من؟ بل كيف يُعاد بناء توازن جديد بين المرجعيات المهنية والفاعلين الجدد داخل فضاء مفتوح لا يعترف بالاحتكار، لكنه في الوقت نفسه لا يستغني عن المعايير.

​وفي النتيجة، فإن أزمة “المؤثرين” ليست سوى سطح لأزمة أعمق في أدوات الفهم ذاتها، حيث لا يزال جزء واسع من الخطاب العام يقرأ واقعاً جديداً بأدوات قديمة، فينتج استقطاباً أكثر مما ينتج تفسيراً، فالصحافة لن تختفي، كما أن المنصات لن تتراجع، لكن المجتمعات التي تفشل في التمييز بين التأثير والجلبة، وبين الوعي والانتشار، ستجد نفسها أمام فضاء عام مزدحم بالأصوات وفقير بالمعنى.

وفي زمن تتسارع فيه أدوات الوصول، تبقى القيمة الحقيقية ليست في من يملك المنصة، بل في من يملك ما يستحق أن يُقال.

والله الموفق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :