الثقافة القانونية الغائبة وأثرها في بناء المواطنة
د. عمر عكاشة المقابلة
19-05-2026 10:54 PM
تُعد الثقافة القانونية إحدى الركائز الأساسية في بناء المجتمعات الحديثة، لأنها تمثل الجسر الحقيقي بين المواطن والدولة، وبين الحقوق والواجبات، وبين النصوص القانونية والتطبيق العملي لها في الحياة اليومية. فالمواطن الذي يمتلك وعياً قانونياً يدرك حدوده وحقوقه وواجباته، يكون أكثر قدرة على المشاركة الإيجابية في المجتمع، وأكثر احتراماً لمؤسسات الدولة وسيادة القانون.
ورغم أهمية الثقافة القانونية، إلا أن الواقع يشير إلى وجود فجوة واضحة في هذا المجال داخل المجتمعات العربية عموماً، وفي الأردن على وجه الخصوص، حيث ما تزال الثقافة القانونية بعيدة عن حياة كثير من المواطنين، وتقتصر أحياناً على المختصين أو العاملين في المجال القانوني، في حين أن الحاجة الحقيقية تقتضي أن تكون المعرفة القانونية جزءاً من الثقافة العامة لكل فرد في المجتمع.
إن غياب الثقافة القانونية لا ينعكس فقط على ضعف المعرفة بالنصوص والتشريعات، بل يؤدي أيضاً إلى انتشار المفاهيم الخاطئة حول الحقوق والمسؤوليات، ويضعف مفهوم المواطنة الفاعلة، كما يفتح المجال أمام الإشاعات القانونية والتفسيرات غير الدقيقة للقوانين والأنظمة. ولهذا فإن بناء دولة المؤسسات لا يتحقق فقط بإصدار القوانين، وإنما أيضاً بوجود مجتمع واعٍ يفهم هذه القوانين ويتفاعل معها بصورة إيجابية.
ومن المؤسف أن كثيراً من مؤسسات المجتمع المدني تغفل هذا الجانب المهم، رغم أن نشر الثقافة القانونية يعد من أهم الأدوار التي يمكن أن تقوم بها هذه المؤسسات لتعزيز قيم المواطنة والانتماء والوعي العام. ففي الوقت الذي تنشغل فيه بعض المؤسسات بتكرار نشاطات تقليدية أو مناسبات لا تحقق أثراً معرفياً حقيقياً، تبقى الحاجة قائمة إلى مبادرات نوعية تسهم في رفع مستوى الوعي القانوني لدى المواطنين وربطهم بمؤسسات الدولة وآليات التشريع وصناعة القرار.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة “منتدى جرش الثقافي” كنموذج وطني رائد يستحق التقدير والوقوف عنده. فمنذ تأسيس المنتدى عام 2014، تبنى فلسفة تقوم على جعل التثقيف القانوني جزءاً أساسياً من نشاطاته وفعالياته، انطلاقاً من إيمان حقيقي بأن الثقافة ليست مجرد نشاط أدبي أو اجتماعي، بل هي أيضاً وعي قانوني ومعرفة وطنية تعزز المشاركة المجتمعية.
وقد تميزت تجربة المنتدى بفتح المجال أمام المواطنين في محافظة جرش للمشاركة في مناقشة مشاريع القوانين قبل إقرارها، من خلال دعوة رؤساء وأعضاء اللجان النيابية المختصة أثناء دراسة مشاريع القوانين، والاستماع إلى آراء المواطنين وملاحظاتهم ومناقشتهم بصورة مباشرة. وهي تجربة مهمة تعكس معنى المشاركة الشعبية الحقيقية في العملية التشريعية، وتسهم في تقريب المواطن من مؤسسات الدولة، كما تمنح صانع القرار فرصة للاطلاع على احتياجات المجتمع ومطالبه بصورة واقعية.
وقد كان لهذه اللقاءات والنقاشات أثر واضح في تطوير بعض الأفكار المتعلقة بمشاريع القوانين قبل وصولها إلى مجلس النواب لمناقشتها بصورة نهائية، الأمر الذي يؤكد أن المواطن عندما يُمنح فرصة المشاركة الواعية فإنه يكون قادراً على تقديم رؤى وأفكار تسهم في خدمة المصلحة العامة.
إن تجربة منتدى جرش الثقافي تؤكد أن نشر الثقافة القانونية ليس مهمة مستحيلة، بل يحتاج إلى إرادة مؤسسية تؤمن بأهمية الوعي والمعرفة في بناء المجتمع. كما تؤكد أن مؤسسات المجتمع المدني تستطيع أن تلعب دوراً حقيقياً في التنمية السياسية والاجتماعية عندما تنتقل من النشاطات الشكلية إلى المبادرات الفكرية والمعرفية المؤثرة.
وفي ظل التحولات التي يشهدها الأردن في مجالات التحديث السياسي والإداري، فإن الحاجة أصبحت أكثر إلحاحاً لتعزيز الثقافة القانونية في المدارس والجامعات والمنتديات الثقافية ووسائل الإعلام، لأن بناء الإنسان الواعي قانونياً هو الخطوة الأولى لبناء دولة قوية قائمة على المشاركة وسيادة القانون.
إن المجتمعات التي تمتلك ثقافة قانونية راسخة تكون أكثر استقراراً وقدرة على حماية حقوق مواطنيها وتعزيز ثقتهم بمؤسسات الدولة. أما غياب هذه الثقافة، فإنه يخلق فجوة بين المواطن والقانون، ويجعل النصوص التشريعية بعيدة عن الوعي المجتمعي والتطبيق الحقيقي. ولذلك فإن الاستثمار في الثقافة القانونية يجب أن يكون جزءاً من المشروع الوطني الشامل لبناء الإنسان والدولة معاً.