facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن إلى أين؟


د. بركات النمر العبادي
20-05-2026 10:20 AM

* حين تتآكل القيم وتتعثر الحكومة في مواجهة القلق الاجتماعي

لم يعد ما يعيشه الشارع الأردني مجرد أزمة معيشية عابرة أو حالة اقتصادية مؤقتة يمكن احتواؤها ببعض الحلول التقليدية ، بل أصبحنا أمام تحولات اجتماعية ونفسية عميقة تمسّ بنية المجتمع الأردني وقيمه التاريخية وهويته الوطنية ، فالمشهد اليوم يبعث على القلق الحقيقي ؛ - حوادث انتحار متزايدة ، - جرائم قتل تقع بين الأقارب وداخل الأسرة الواحدة ، - تفكك أسري وارتفاع غير مسبوق في معدلات الطلاق ، - انتشار واسع للمخدرات والإدمان والكحول ، - تصاعد العنف والمشاجرات ، - وتراجع واضح في احترام الكبير وهيبة الأسرة والقانون ، - في وقت تتسع فيه دائرة الفقر والبطالة والضغوط المعيشية بصورة غير مسبوقة.

وفي الفكر المحافظ الأردني الحديث ، لا تُقاس خطورة الأزمات فقط بالأرقام الاقتصادية أو المؤشرات المالية ، بل بمدى تأثيرها على الإنسان والأسرة والقيم والنسيج الاجتماعي ، فالدولة القوية ليست مجرد مؤسسات وإجراءات ، بل منظومة أخلاقية واجتماعية تحفظ التوازن النفسي للمجتمع وتحمي استقراره المعنوي قبل المادي ، ومن هنا ، فإن أخطر ما نواجهه اليوم هو حالة التآكل البطيء في الروح الاجتماعية الأردنية ، وما يرافقها من شعور عام بالإحباط والاغتراب وفقدان الثقة.

لقد عرف الأردنيون تاريخياً باعتدالهم وصبرهم وتماسكهم الاجتماعي ، وكانت الأسرة الأردنية تمثل خط الدفاع الأول عن القيم والأخلاق والانتماء الوطني ، إلا أن الضغوط الاقتصادية القاسية ، وغياب الرؤية الحكومية الفاعلة ، وتراجع الخطاب الوطني الجامع ، كلها عوامل أسهمت في خلق بيئة نفسية مأزومة انعكست على سلوك الأفراد والعلاقات داخل المجتمع.

ولا يمكن قراءة هذا الواقع بمعزل عن الأداء الحكومي المرتبك خلال السنوات الأخيرة ، حيث بدا واضحاً عجز الحكومات المتعاقبة عن تقديم برامج اقتصادية واجتماعية قادرة على استيعاب حجم التحولات التي يعيشها المجتمع الأردني ، فبدلاً من بناء سياسات تنموية حقيقية تعالج البطالة والفقر وتحفظ الطبقة الوسطى ، انشغلت الحكومات بإدارة الأزمات اليومية بعقلية ردّ الفعل لا بعقلية التخطيط الاستراتيجي.

وفي الوقت الذي أكدت فيه كتب التكليف السامية المتعاقبة على ضرورة تحسين مستوى معيشة المواطن ، وتعزيز سيادة القانون ، وتمكين الشباب ، وبناء إدارة عامة كفؤة ، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة ، نجد أن كثيراً من هذه المضامين بقي حبراً على ورق ، دون ترجمة حقيقية في السياسات والبرامج الحكومية ، وهنا تكمن الفجوة الأخطر ؛ فجوة بين الرؤية السياسية العليا للدولة وبين الأداء التنفيذي للحكومات.

لقد أصبح المواطن الأردني يشعر أن الحكومات تتحدث بلغة بعيدة عن واقعه اليومي ، وأن الخطاب الرسمي في كثير من الأحيان يفتقر إلى الصراحة والقدرة على الإقناع وملامسة هموم الناس الحقيقية ، بل إن العجز الحكومي امتد حتى إلى إدارة الملف الإعلامي الرسمي ، الذي دخل في حالة من الارتباك والانفصال عن الشارع ، فغابت الرواية المقنعة ، وتراجعت الثقة ، وترك المجال واسعاً أمام الإشاعات وخطابات الإحباط والغضب والفوضى الرقمية.

إن الدولة التي لا تمتلك خطاباً إعلامياً وطنياً قادراً على مخاطبة الناس بصدق وشفافية ، تترك مجتمعها نهباً لحالة من الضياع المعنوي والتشكيك وفقدان اليقين. فالإعلام الرسمي ليس أداة تجميل للواقع، بل وسيلة لبناء الوعي والثقة والشراكة الوطنية، وهو ما يبدو غائباً أو ضعيفاً بصورة مؤسفة في هذه المرحلة الحساسة.

ومن منظور الفكر المحافظ الأردني، فإن الحفاظ على استقرار الدولة لا يتحقق فقط عبر الأدوات الأمنية أو الحلول الاقتصادية الجزئية ، بل من خلال حماية منظومة القيم الوطنية والاجتماعية التي قام عليها الأردن ؛ قيم الاحترام ، والانتماء ، والتكافل ، وهيبة الأسرة ، وسيادة القانون ، والشعور بالعدالة والكرامة ، فحين يشعر المواطن بالعجز والتهميش وفقدان الأمل ، تبدأ العلاقة بين الفرد والدولة بالدخول في مرحلة خطرة من التآكل النفسي والاجتماعي.

ومع ذلك، فإن الأردن ما يزال يمتلك عناصر قوة تاريخية عميقة ؛ في قيادته الهاشمية الحكيمة ، ومؤسساته الوطنية ، وجيشه العربي ، وأجهزته الأمنية ، ووعي شعبه ، وتماسك عشائره، واعتداله المجتمعي ، لكن هذه العناصر بحاجة اليوم إلى إدارة حكومية أكثر كفاءة وجرأة وصدقاً ، تدرك أن الأمن الاجتماعي لا يقل خطورة عن الأمن السياسي ، وأن حماية الإنسان الأردني نفسياً ومعيشياً أصبحت أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.

إن المرحلة الراهنة تتطلب مراجعة وطنية شاملة، تعيد الاعتبار لفكرة الدولة الراعية والعادلة والقادرة ، وتعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات ، وتفتح المجال أمام خطاب وطني صادق يعترف بالأخطاء ويطرح حلولاً حقيقية لا شعارات مؤقتة.

فالأردن لم يكن يوماً دولة هشّة، لكنه اليوم يواجه تحدياً داخلياً صامتاً يتمثل في إنهاك الإنسان الأردني نفسياً واجتماعياً واقتصادياً ، وإذا لم تُدرك الحكومات خطورة هذا التحول ، فإننا سنكون أمام أزمة لا تتعلق فقط بالاقتصاد ، بل بمستقبل التماسك الاجتماعي والهوية الوطنية نفسها.

ويبقى الأمل قائماً ما دام في هذا الوطن قيادة حكيمة ، وشعب حيّ ، وإرث أخلاقي ووطني عميق ، قادر على استعادة التوازن متى توفرت الإرادة الصادقة والرؤية المسؤولة.

حمى الله الاردن و سدد على طريق الحق خطاه

* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :