تآكل العملة وأزمة القدرة الشرائية .. دروس للأردن والمنطقة العربية في عالم متغير
د. محمد صلاح الشرع
20-05-2026 10:42 AM
حين يتحدث المحللون الغربيون عن تراجع القوة الشرائية للدولار الأمريكي، يميل كثيرون في منطقتنا إلى اعتبار الأمر شأناً بعيداً لا يعنيهم. غير أن الواقع يقول عكس ذلك تماماً. فالدولار هو العملة المرجعية لاقتصادات الخليج، وهو المعيار الذي تُسعَّر به تحويلات المغتربين الأردنيين، وهو الوعاء الذي يحتفظ فيه الملايين من أبناء المنطقة بمدخراتهم وأصولهم. وعليه، فإن أي تآكل في قيمة الدولار هو بالضرورة تآكل مباشر في ثروة العرب أنفسهم — وإن لم يظهر ذلك على شاشة الصراف الآلي.
أولاً: الأرقام التي لا تكذب
وفقاً للبيانات الدولية، تجاوز التضخم التراكمي في الولايات المتحدة منذ عام 2020 حاجز الـ 27% بحسب أكثر المؤشرات الرسمية تحفظاً، فيما يرصد بعض المحللين المستقلين أرقاماً تقترب من 30%. هذه الأرقام ليست مجردة؛ فهي تعني أن الأسرة الأردنية التي كانت تستلم تحويلات شهرية من ذويها في الخليج أو أمريكا تساوي ألف دولار عام 2020، باتت تستلم ما يعادل 730 دولاراً فعلياً من حيث القوة الشرائية — دون أن يتغير الرقم على الورق.
والأشد وطأةً أن هذا التآكل لم يُصاحبه ارتفاع موازٍ في الأجور لدى فئات واسعة من المجتمع، لا في الغرب ولا في بلداننا. فالتضخم أصاب الجميع، لكن الثروة تمركزت أكثر في يد من يملكون الأصول الحقيقية من عقارات وأسهم ومعادن، بينما تآكلت مدخرات الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل بصمت ومن دون ضجيج.
ثانياً: أزمة السكن... حين يصبح الحلم بعيد المنال
في الولايات المتحدة، ارتفع الدخل اللازم لامتلاك منزل بنسبة 80% منذ عام 2020، وبات المواطن الأمريكي العادي بحاجة إلى دخل يتجاوز مئة ألف دولار سنوياً لتحمّل تكلفة السكن. هذه المعادلة تبدو بعيدة، لكنها تعكس نمطاً عالمياً يعيشه الأردنيون بشكل مضاعف.
ففي عمّان والزرقاء وإربد، تضاعفت أسعار العقارات خلال السنوات الخمس الماضية بوتيرة تفوق بكثير نمو الأجور. الشاب الأردني الذي يتقاضى راتباً متوسطاً يحتاج اليوم إلى ما بين عشرين وثلاثين سنة من العمل الصافي — دون إنفاق — لشراء شقة في ضواحي العاصمة. وحين يُضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والتعليم والصحة، يجد المواطن نفسه أمام ضغط معيشي متزايد لم يجد له حتى الآن إجابة سياسية شافية.
أما اقتصادات الخليج، فرغم أن ارتباط عملاتها بالدولار حماها من بعض تقلبات سعر الصرف، إلا أن التضخم المستورد أثّر بدوره على تكاليف المعيشة، ولا سيما في قطاعات الغذاء والبناء المعتمدَين اعتماداً كبيراً على الاستيراد.
ثالثاً: اليأس الاقتصادي وما يُفضي إليه
ثمة ظاهرة نفسية واجتماعية تصاحب التراجع المتواصل في القدرة الشرائية: حين يشعر الإنسان أن العمل الجاد لم يعد يكفي، وأن المدخرات تذوب قيمتها بمرور الوقت، وأن امتلاك مسكن أو تأمين مستقبل الأبناء بات حلماً بعيد المنال — يلجأ إلى المجازفة بديلاً عن التخطيط.
نرى هذا جلياً في تنامي ظاهرة المضاربة على العملات الرقمية بين الشباب الأردني والعربي، وفي انتشار مخططات الثراء السريع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الإقبال على القمار الإلكتروني بأشكاله المختلفة. ليس هذا انحلالاً أخلاقياً بقدر ما هو استجابة عقلانية مشوّهة لمنظومة اقتصادية لم تعد تكافئ الجهد بصورة عادلة.
والأخطر من ذلك هو الهجرة. فقد شهدت الأردن وغيرها من الدول العربية موجات متصاعدة من هجرة الكفاءات والشباب المؤهل نحو كندا وألمانيا والإمارات وغيرها، وهو استنزاف بشري لن تظهر تداعياته الحقيقية إلا بعد عقد أو عقدين من الزمن.
رابعاً: التحوط من التضخم — ماذا يفعل الأذكياء؟
في مواجهة هذا الواقع، بدأ المستثمرون الواعون على المستوى العالمي — ومنهم نخبة من رجال الأعمال العرب — في إعادة توزيع ثرواتهم بعيداً عن الاحتفاظ بالنقد الورقي خاملاً. وتتصدر استراتيجيات التحوط الشائعة:
• العقارات المنتجة: إذ لا تزال من أكثر أدوات الحفاظ على الثروة موثوقيةً على المدى البعيد، رغم تحديات السيولة.
• الذهب والمعادن الثمينة: الملاذ التقليدي الذي تزداد قيمته في زمن عدم اليقين النقدي.
• الأسهم في شركات القطاع الحقيقي: الطاقة والغذاء والبنية التحتية وغيرها من القطاعات التي تنقل آثار التضخم إلى أسعارها.
• الأصول الرقمية المحددة العرض: وهي مسألة لا تزال محل جدل واسع، إلا أن اهتمام المؤسسات المالية الكبرى بها بات حقيقة لا يمكن تجاهلها.
الجانب الذي يغفله كثيرون هو أن التحوط لا يقتصر على الأثرياء. حتى المدخر الصغير يمكنه تنويع مدخراته جزئياً نحو أدوات تحتفظ بقيمتها أفضل من الاحتفاظ بالدينار أو الدولار في حساب جارٍ لا يعطي عائداً حقيقياً.
خامساً: مسؤولية السياسة الاقتصادية العربية
لا يمكن اختزال الأزمة في تصرفات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وحده. فثمة مسؤولية محلية واضحة أيضاً. ففي الأردن على سبيل المثال، تظل منظومة الدعم الحكومي غير مباشرة ومتقطعة، وتظل سياسات الإسكان الاجتماعي قاصرة عن مواكبة النمو السكاني وتدفق اللاجئين وتمدد العمران.
كذلك تحتاج سياسات الأجور في القطاع الخاص إلى مراجعة جذرية تأخذ في الاعتبار معدلات التضخم الفعلية لا الرسمية فحسب. والأهم من ذلك كله هو تعزيز بيئة إنتاجية حقيقية تخلق فرص عمل عالية القيمة، بدلاً من الاعتماد المفرط على تحويلات المغتربين كوسادة اقتصادية هشّة.
وعلى المستوى الإقليمي، تبرز الحاجة إلى تنسيق عربي أعمق في السياسات النقدية والمالية، والنظر الجدي في تطوير آليات تبادل تجاري تقلل من الاعتماد المفرط على الدولار في التسويات البينية، وهو ما بدأت تناقشه مجموعة بريكس وعدد من الدول الناشئة بجدية متزايدة.
خلاصة: ثروتك لا تنتظر
التضخم ليس حدثاً عابراً، بل هو إعادة توزيع قسرية للثروة تجري بصمت وعلى مدار الساعة. المستفيد منها دائماً هو من يملك أصولاً حقيقية، والخاسر هو من يظن أن الاحتفاظ بالنقد في الحساب البنكي يعني الأمان.
على المستوى الفردي، المطلوب وعي مالي أعمق وجرأة على التحول نحو أدوات استثمارية تحافظ على القوة الشرائية. وعلى مستوى السياسات، المطلوب شجاعة في اتخاذ إصلاحات هيكلية لا تكتفي بالمسكّنات الموسمية.
العالم يتغير بسرعة، والمنظومة النقدية الدولية في طور إعادة تشكيل حقيقية. الأردن والمنطقة العربية أمام فرصة نادرة: إما أن تكون فاعلة في هذا التحول، أو أن تكتفي بتلقّي تداعياته.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثل بالضرورة موقف المؤسسة الناشرة. هذا المقال لأغراض المعلومات العامة ولا يُعدّ نصيحة استثمارية.
* باحث في الاقتصاد الرقمي واستراتيجيات التحوط من التضخم