قَدْ نُسْأَلُ عَنْ قَوْلٍ، وَقَدْ نُحَاسَبُ عَلَى صَمْتٍ
المحامي سالم عيسى نجمة
22-05-2026 02:09 PM
بين القول والصمت يعيش الإنسان صراعَه الأخلاقي؛ متى يتكلّم؟ ومتى يصمت؟ ومتى يكون الصمت نجاةً، ومتى يتحوّل إلى تواطؤٍ؟
ولعلّ ما يُربك الإنسان خشية تبعات الكلمة، فيلوذ بالصمت ظنًّا منه أنّ النجاة في الابتعاد عن المواجهة، غير أنّ الحقيقة التي قد يغفل عنها أحيانًا أنّ الصمت نفسه قد يكون موقفًا يُحاسَب عليه المرء، بينما القول في ذات المقام قد يستدعي مجرد سؤال.
إنّ الكلمة مسؤولية؛ لأنّها تعبّر عمّا يجول في النفس، وقد تُصلح أو تُفسد، وقد ترفع حقًّا أو تهدمه. لذلك يخشى الناس الكلام، ويتجنّب كثيرون الخوض في القضايا التي قد تجرّ عليهم نقدًا أو مساءلة. وهذا مفهومٌ خشية اقتناص العبارة، أو إساءة فهم المقاصد. لكنّ المشكلة تبدأ حين يتحوّل الحذر إلى انسحابٍ من أداء الواجب، فيصمت الإنسان لا لأنّ الحكمة تقتضي ذلك، بل لأنّ المصلحة أصبحت تقدم على قول الحق.
في لحظات الحقيقة، لا يعود الصمت أمرًا حياديًا. فعندما يُعتدى على حقّ، يصبح للكلمة قيمة وتغدو شهادةً ومسؤولية. وهنا يكون الصمت أبلغ من الكلام؛ لأنّه قد يُفهم قبولًا، أو خوفًا، أو تخلّيًا عن الواجب. ولهذا تكمن المشكلة أحيانًا في صمت القادرين على قول كلمة الحق.
ومع ذلك، فالمقال لا يدعو إلى التهوّر في الكلام، ولا إلى تحويل الرأي إلى معركة دائمة؛ فالحكمة تبقى ضرورة، والقول يحتاج إلى علمٍ وعدلٍ وبصيرة. لكنّ الفرق كبير بين صمت الحكيم الذي يزن كلماته، وصمت الذي يخشى المسؤولية. الأول يصمت لأنّ الصمت أصلح، والثاني يصمت لأنّ قول الحق قد يكلّفه....
إنّ الإنسان قد يُسأل عن كلمة قالها، لكنّه قد يُحاسَب على كلمة كان سيتوجب عليه قولها. فالحكمة تستدعي معرفة متى يكون الكلام واجبًا، ومتى يصبح الصمت خطأً. ولهذا تبقى العبارة صادقة وعميقة:
إِذَا خَشِينَا يَوْمًا القَوْلَ حَتَّى لَا يُفْتَحَ عَلَيْنَا بَابُ السُّؤَالِ، فَلْنَعْلَمْ أَنَّ الصَّمْتَ سَاعَةَ الحَقِيقَةِ قَدْ يَفْتَحُ عَلَيْنَا بَابَ الحِسَابِ.