هل ما زال تقدير البكالوريوس معياراً حاسماً بعد الدكتوراه؟
د.جلال الشورة
25-07-2026 12:45 PM
* قراءة قانونية في فلسفة التعيين الجامعي
أثار ما أُثير أخيراً بشأن أوضاع عدد من أعضاء الهيئة التدريسية في إحدى الجامعات الأردنية نقاشاً يتجاوز حدود حالة بعينها، ليطرح سؤالاً يمس فلسفة التعليم العالي ذاتها: هل يجوز أن يبقى تقدير حصل عليه الأكاديمي في مرحلة البكالوريوس قبل خمسة عشر أو عشرين عاماً هو المعيار الحاسم في مستقبله الوظيفي، رغم حصوله لاحقاً على درجتي الماجستير والدكتوراه، وممارسته التدريس والبحث العلمي لسنوات طويلة؟
لا يتعلق هذا السؤال بحالة فردية، وإنما بمعنى الكفاءة الأكاديمية وكيف ينبغي قياسها. فالكفاءة لا تختزل في نتيجة حصل عليها الطالب في بداية مسيرته الجامعية، وإنما هي حصيلة متراكمة من المعرفة المتخصصة، والبحث العلمي، والخبرة التدريسية، والإنتاج الفكري، والإسهام في خدمة الجامعة والمجتمع. ومن ثم، فإن أي معيار لقياس الكفاءة ينبغي أن يعكس المستوى العلمي الراهن، لا أن يظل أسيراً لمؤشر تاريخي واحد.
ولهذا السبب، تتجه سياسات التعيين والترقية في عدد من الجامعات البحثية الرائدة عالمياً إلى التركيز، بصورة أساسية، على المؤهلات العلمية العليا، والإنتاج البحثي، وجودة التدريس، والإنجاز الأكاديمي، والإسهام في تطوير المعرفة، أكثر من تركيزها على تقدير البكالوريوس بعد الحصول على الدكتوراه. ومن هنا يبرز التساؤل: إذا كان هذا هو الاتجاه الأكاديمي السائد في كثير من الجامعات المرموقة، فما المبرر الأكاديمي لاستمرار منح تقدير البكالوريوس أثراً حاسماً بعد استكمال أعلى المؤهلات العلمية؟
ولا يراد بهذا التساؤل التقليل من مكانة الجامعات الأردنية أو الدعوة إلى استنساخ تجارب الآخرين، وإنما الدعوة إلى مراجعة معيار قد لا يبقى، بعد تراكم المؤهلات والخبرات، منسجماً مع فلسفة التعليم العالي الحديثة، التي تقوم على التطور المستمر للباحث والأستاذ الجامعي.
واللافت أن الإطار التشريعي والتنظيمي الأردني نفسه لم يغلق الباب أمام الحاصل على تقدير "مقبول" في البكالوريوس، بل أتاح، في بعض الفترات ووفقاً للشروط المقررة، مساراً أكاديمياً إضافياً من خلال الدبلوم العالي، ثم الالتحاق ببرنامج الماجستير، ومن بعده الدكتوراه. ويعكس ذلك فلسفة واضحة مؤداها أن الأداء العلمي اللاحق قد يكون دليلاً على تطور الكفاءة، وأن نتيجة البكالوريوس ليست بالضرورة الحكم النهائي على قدرة الطالب العلمية.
ومن مقتضيات التفسير السليم للنصوص أن تُفهم أحكامها في ضوء الغاية التي شُرعت من أجلها. فإذا كان المنظم قد أوجد مساراً يسمح للحاصل على تقدير "مقبول" بإثبات كفاءته والانتقال إلى مراحل أكاديمية أعلى، فمن الطبيعي أن يكون لهذا المسار أثر عند تقييم الكفاءة بعد استكماله بنجاح. وإلا فإن القيمة العملية لهذا الطريق تصبح محل تساؤل إذا ظل تقدير البكالوريوس وحده مانعاً أمام التعيين أو التقدم الأكاديمي.
كما أن الدرجة العلمية الأعلى تكون، بطبيعتها، أكثر تعبيراً عن المستوى العلمي الحالي من الدرجة التي سبقتها. فالدكتوراه لا تلغي البكالوريوس ولا تنتقص من أهميته، لكنها تمثل مرحلة أكثر تقدماً في التخصص والبحث العلمي، ومن ثم تبدو أكثر دلالة عند تقييم الكفاءة العلمية.
ويضاف إلى ذلك أن تقدير البكالوريوس لا يعكس دائماً القدرات الحقيقية لصاحبه؛ إذ قد يتأثر بظروف شخصية أو اجتماعية، أو باختلاف أساليب التقييم والبيئات التعليمية، فضلاً عن أن نظم التعليم قبل عشرين أو ثلاثين عاماً ليست بالضرورة مماثلة للنظم الحالية. ولذلك يصعب اعتبار نتيجة أكاديمية قديمة معياراً ثابتاً للحكم على شخص واصل تعليمه، ونال أعلى الدرجات العلمية، وأثبت كفاءته في التدريس والبحث العلمي.
وتبرز هنا مفارقة تستحق التأمل؛ فإذا كانت الجامعة قد قبلت الأكاديمي في برامج الدراسات العليا، ومنحته الماجستير والدكتوراه، ثم عينته محاضراً، وأوكلت إليه تدريس الطلبة سنوات طويلة، فإن ذلك يمثل اعترافاً عملياً بمؤهلاته وبقدرته على أداء العمل الأكاديمي. فإذا كان تقدير البكالوريوس دليلاً قاطعاً على عدم الكفاءة، فكيف أمكن قبوله في الدراسات العليا، ومنحه أعلى الدرجات العلمية، ثم تكليفه بتعليم الأجيال؟ أما إذا كانت المؤسسة قد اعترفت بكفاءته اللاحقة، فإن العودة إلى التقدير الأول بوصفه معياراً حاسماً تبدو مسألة تستحق إعادة النظر.
كما يقدم الواقع الأكاديمي الأردني شواهد تؤكد أن تقدير البكالوريوس لا يصلح، بمفرده، للحكم النهائي على مستقبل الإنسان العلمي. فقد عرفت الجامعات الأردنية أكاديميين كانت بدايتهم الجامعية بتقدير "مقبول" ثم واصلوا دراساتهم العليا، وتميزوا في البحث والتدريس، وتولوا مواقع أكاديمية وإدارية مرموقة، وأصبحوا من الأسماء البارزة في تخصصاتهم. وهذه النماذج تؤكد أن النجاح الأكاديمي يقاس بما يحققه الإنسان من تطور وإنجاز، لا بما كانت عليه بدايته فقط.
ومن زاوية أخرى، فإن الجامعات لا تستثمر في المباني والمختبرات وحدها، بل تستثمر أيضاً في رأس المال البشري. فعندما تسمح الجامعة لأحد منتسبيها باستكمال الدبلوم العالي ثم الماجستير والدكتوراه، وتكلفه بالتدريس والبحث العلمي سنوات طويلة، فإنها تكون قد استثمرت فيه موارد مالية وعلمية كبيرة. ومن ثم، فإن الاستفادة من هذه الخبرات بعد اكتمال تأهيلها تنسجم مع فلسفة الاستثمار في الموارد البشرية، بينما قد يؤدي إهدارها بسبب معيار ارتبط بمرحلة أكاديمية بعيدة إلى خسارة جزء من العائد العلمي الذي أسهمت المؤسسة نفسها في صناعته.
كما أن مبدأ الجدارة يقتضي أن تقوم المفاضلة بين المتقدمين على معايير موضوعية تعكس الكفاءة الفعلية وقت اتخاذ القرار. وكلما كان معيار التقييم أكثر اتصالاً بالمستوى العلمي الراهن، كان أقرب إلى تحقيق العدالة الأكاديمية وإلى اختيار الأكفأ لخدمة الجامعة والطلبة.
ولا تعني الدعوة إلى مراجعة هذا الشرط إلغاء معايير الجودة أو الانتقاص من أهمية تقدير البكالوريوس، فهو يظل مؤشراً مهماً في بداية المسار الأكاديمي، لكنه ليس بالضرورة المؤشر الأكثر دلالة بعد سنوات من البحث والدراسة والعمل. وإنما المقصود إعادة النظر في وزنه النسبي بعد أن يثبت الأكاديمي كفاءته من خلال مؤهلاته العليا، وإنتاجه العلمي، وخبرته التدريسية، وإسهامه في خدمة الجامعة والمجتمع.
ولهذا، تستطيع الجامعات أن تعتمد منظومة تقييم أكثر توازناً تقوم على جودة الرسائل الجامعية، والإنتاج البحثي، وكفاءة التدريس، والإشراف العلمي، وخدمة المجتمع، والابتكار، بحيث يكون الحكم على عضو هيئة التدريس قائماً على مجمل إنجازه العلمي والمهني، لا على نتيجة حصل عليها في بداية حياته الجامعية.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح أمام مجالس الجامعات ومجلس التعليم العالي: أيهما يعكس كفاءة الأستاذ الجامعي بصورة أدق؛ تقدير البكالوريوس الذي حصل عليه قبل سنوات طويلة، أم ما حققه لاحقاً من مؤهلات عليا، وإنتاج علمي، وخبرة أكاديمية، وإسهام في خدمة الجامعة والمجتمع؟
إن القضية، في جوهرها، لا تتعلق بأشخاص أو بجامعة بعينها، وإنما بفلسفة التعليم العالي في الأردن. فكل نظام أكاديمي يسعى إلى التميز ينبغي أن يمنح الإنسان فرصة حقيقية لإثبات تطوره، وألا يحول نتيجة أكاديمية قديمة إلى قيد دائم يلازمه مهما ارتفعت مؤهلاته وتعددت إنجازاته.
فالجامعة التي تحاكم الأستاذ إلى ما كان عليه قبل عشرين عاماً، وتتجاهل ما أصبح عليه اليوم، لا تعيد تقييم شخص واحد فحسب، وإنما تعيد تعريف معنى الكفاءة الأكاديمية نفسها. فالكفاءة ليست نقطة بداية، بل مسيرة متواصلة من التعلم والبحث والإنجاز، وكل معيار لا يواكب هذا التطور، أو لا يمنحه وزنه المناسب، يستحق أن يُعاد النظر فيه بما يحقق العدالة، ويعزز جودة التعليم العالي، ويخدم مصلحة الجامعة والوطن معاً.