هل يحوّل الأردن التجارة مع الولايات المتحدة إلى قوة إنتاجية محلية؟
د.عدلي قندح
25-07-2026 12:47 PM
يثير النقاش حول أداء الصادرات الأردنية، ولا سيما الصادرات المتجهة إلى السوق الأمريكية، قضية اقتصادية تتجاوز كثيراً أرقام التجارة الخارجية. فالدول لا تصبح أكثر قوة لمجرد أنها تصدر أكثر، وإنما عندما تستطيع تحويل التجارة والاستثمار إلى قيمة مضافة محلية، وقدرات إنتاجية، وتكنولوجيا، ومهارات بشرية، وسلاسل توريد وطنية.
فليس كل دولار من الصادرات يحمل الأثر التنموي نفسه؛ إذ يعتمد أثره الحقيقي على نسبة القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد، وحجم المدخلات المحلية المستخدمة، ودرجة التشابك بين القطاعات، وقدرة الاستثمار على خلق وظائف نوعية ونقل المعرفة.
منذ عام 2005: سؤال القيمة المضافة كان مطروحاً
أستأذنكم في استحضار تجربة شخصية تعود إلى عام 2005، عندما شاركت في ندوة اقتصادية عُقدت في فندق داخل مجمع بنك الإسكان، بحضور عدد من كبار المسؤولين، وغالبيتهم موجودون اليوم معنا في هذه المجموعة الموقرة.
وكانت لي آنذاك مداخلة مطولة اقترحت فيها ضرورة تنويع الاستثمارات في المناطق الصناعية والتنموية التي استفادت من المزايا التجارية الخاصة مع الولايات المتحدة، وعدم حصر النموذج الاستثماري في قطاع الألبسة والمنسوجات فقط.
كان جوهر الفكرة أن نجاح أي نموذج تصديري لا يجب أن يُقاس فقط بحجم الصادرات، وإنما بقدرته على بناء اقتصاد أكثر عمقاً: شركات محلية، صناعات مغذية، نقل تكنولوجيا، مهارات وطنية، وروابط إنتاجية تمتد إلى بقية القطاعات.
وقد لقي هذا الطرح آنذاك استحسان نائب رئيس الوزراء الذي ترأس الجلسة، ومعاليه موجود معنا في هذه المجموعة، إلا أن التحول المطلوب نحو تنويع قاعدة الاستثمار وبناء صناعات أكثر تكاملاً لم يتحقق بالسرعة والحجم المطلوبين.
قطاع الألبسة: قصة نجاح تجاري وسؤال تنموي مفتوح
لا يمكن إنكار أن قطاع الألبسة الأردني يمثل قصة نجاح مهمة في مجال التصدير. فقد استطاع الاستفادة من العلاقة الاقتصادية المتميزة مع الولايات المتحدة، سواء من خلال ترتيبات المناطق الصناعية المؤهلة تاريخياً أو من خلال اتفاقية التجارة الحرة الأردنية–الأمريكية التي أصبحت الإطار الأوسع للعلاقة التجارية بين البلدين.
وقد أصبحت صادرات الألبسة من أهم الصادرات الصناعية الأردنية، حيث اقتربت في السنوات الأخيرة من ملياري دولار سنوياً، كما وفر القطاع عشرات الآلاف من فرص العمل.
لكن التحليل الاقتصادي لا يتوقف عند قيمة الصادرات الإجمالية، بل يطرح سؤالاً أكثر عمقاً:
كم من هذه القيمة يتحول فعلياً إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد الأردني؟
فالدولار المصدر ليس بالضرورة دولاراً يبقى بالكامل داخل الاقتصاد الوطني. ففي الصناعات التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المدخلات، مثل الألبسة، فإن جزءاً مهماً من قيمة المنتج النهائي يمثل قيمة مضافة نشأت خارج الاقتصاد المحلي قبل وصول المنتج إلى مرحلة التصنيع النهائي في الأردن.
فالأقمشة، والخيوط، والإكسسوارات، وبعض المواد الأولية تأتي في نسبة كبيرة منها من الخارج، بينما تتمثل القيمة المحلية في الأجور، والخدمات التشغيلية، والطاقة، والنقل، وبعض الأرباح والنفقات المحلية.
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن القيمة المضافة المحلية في صناعة الألبسة التصديرية قد تكون تقريباً في حدود 20–40% من قيمة الصادرات، مع اختلافها حسب درجة التكامل المحلي لكل مصنع.
وهذا يعني أن تصدير ملياري دولار من الألبسة لا يعني بالضرورة إضافة ملياري دولار إلى الاقتصاد الأردني، بل يعتمد الأثر الحقيقي على مقدار ما ينتجه الأردن من مدخلات، وخدمات، ومعرفة، ومهارات مرتبطة بهذه العملية الإنتاجية.
وهنا تظهر القضية الاستراتيجية: هل نريد اقتصاداً يشارك فقط في المرحلة النهائية من سلسلة الإنتاج العالمية، أم اقتصاداً يمتلك أجزاء أكبر من هذه السلسلة؟
من اقتصاد التصدير إلى اقتصاد الإنتاج
بعد أكثر من عقدين من الانفتاح التجاري، فإن التحدي أمام الأردن ليس جذب الاستثمارات فقط، وإنما رفع نوعية هذه الاستثمارات.
فالانتقال المطلوب هو من نموذج يعتمد على انخفاض تكلفة الإنتاج إلى نموذج يعتمد على المعرفة، والتكنولوجيا، والابتكار، والقيمة المضافة العالية.
والتجارب الدولية الناجحة، مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وأيرلندا، تقدم درساً واضحاً: هذه الدول لم تبنِ قوتها الاقتصادية لأنها صدرت أكثر فقط، بل لأنها بنت منظومات إنتاجية متكاملة.
لقد طورت شركات محلية قوية، وصناعات مغذية، ومراكز بحث وتطوير، ومهارات بشرية، ثم استخدمت هذه القدرات للوصول إلى الأسواق العالمية. فالتصدير كان نتيجة لقوة القاعدة الإنتاجية، وليس بديلاً عنها.
إحلال المستوردات الذكي: فرصة صناعية للأردن
في هذا السياق، تبرز أهمية إعادة التفكير في مفهوم إحلال المستوردات الذكي كجزء من السياسة الصناعية الأردنية.
ولا يعني ذلك العودة إلى سياسات الحماية التقليدية أو إغلاق الاقتصاد أمام المنافسة العالمية، وإنما يعني تحديد القطاعات التي يمتلك فيها الأردن فرصة حقيقية لإنتاج جزء من السلع والمدخلات التي يستوردها.
فالأردن يستورد سنوياً ما يقارب 19–20 مليار دولار من السلع، وتشكل هذه الفاتورة فرصة استراتيجية إذا تم توجيه الاستثمار نحو قطاعات ذات قدرة تنافسية، مثل الصناعات الغذائية، والدوائية، والكيماوية، والمكونات الهندسية، ومدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي.
إن إنتاج جزء من هذه المستوردات محلياً لا يعني فقط تقليل الضغط على العملة الأجنبية، بل يعني بناء سلسلة اقتصادية كاملة: مصانع، موردون، خدمات لوجستية، تمويل مصرفي، تدريب، وابتكار.
التشابك القطاعي: المعيار الحقيقي لقوة الاقتصاد
أحد أهم المؤشرات التي تميز الاقتصادات القوية هو درجة التشابك بين القطاعات الاقتصادية (Interconnectedness).
فالدولة لا تصبح صناعية لأنها تمتلك مصانع كبيرة فقط، بل لأنها تمتلك شبكة واسعة من الشركات الصغيرة والمتوسطة والصناعات المغذية المرتبطة بهذه المصانع.
أحد التحديات في النموذج الصناعي الأردني هو وجود ما يمكن وصفه بـ “الجزر الإنتاجية المنفصلة”؛ أي استثمارات تصدر منتجات ناجحة لكنها تعتمد بدرجة كبيرة على مدخلات مستوردة، وبالتالي لا تولد بالقدر الكافي روابط عميقة مع بقية الاقتصاد.
النموذج المطلوب هو أن تتحول الشركات الكبرى، المحلية والعالمية، إلى محركات لنمو اقتصادي واسع، بحيث تعتمد بدرجة أكبر على موردين أردنيين في المواد الأولية، والمكونات، والخدمات الهندسية، والحلول التكنولوجية.
فعندما تنتج شركة أردنية صغيرة مكوناً يدخل في منتج تصدره شركة عالمية، فإن القيمة الاقتصادية لا تبقى داخل المصنع فقط، بل تنتشر عبر الاقتصاد بأكمله.
رؤية ملكية نحو اقتصاد إنتاجي متكامل
وهذا يتوافق مع الرؤية التي أكد عليها جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله خلال السنوات الماضية، والتي ركزت على تعظيم القيمة المضافة المحلية، وتمكين القطاع الخاص، وجذب استثمارات نوعية، وربط الشركات الكبرى بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتحويل الأردن إلى مركز إقليمي للإنتاج والخدمات.
فالهدف ليس فقط أن يأتي المستثمر إلى الأردن، بل أن يصبح جزءاً من الاقتصاد الأردني: يوظف الأردنيين، ويطور الموردين المحليين، وينقل المعرفة، ويخلق أثراً اقتصادياً مضاعفاً.
السؤال الاقتصادي الحقيقي
بعد أكثر من عشرين عاماً على تعزيز العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة والانفتاح التجاري، فإن السؤال الاستراتيجي الذي يجب أن يحكم السياسة التجارية والصناعية الأردنية ليس فقط:
كم صدرنا؟
بل:
كم قيمة مضافة خلقنا داخل الأردن؟
كم من المدخلات أصبح ينتج محلياً؟
كم شركة أردنية أصبحت جزءاً من سلاسل القيمة العالمية؟
كم وظيفة نوعية وفرنا للمواطن الأردني؟
فالقوة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بحجم التجارة، وإنما بقدرة الدولة على بناء اقتصاد مترابط، منتج، مبتكر، وقادر على المنافسة.
التحدي أمام الأردن ليس أن يكون مجرد منصة لتصدير المنتجات، بل أن يصبح منصة لإنتاج القيمة والمعرفة.