الليبرالية الأردنية: لا يجوز للحكومة التطاول على الدستور والقانون
22-05-2026 02:24 PM
عمون - أصدرت المبادرة الليبرالية الأردنية بياناً بعنوان “حرية سقفها السماء.. لا يجوز للحكومة التطاول على الدستور والقانون”، تناولت فيه ما وصفته بتجاوزات على حرية التعبير والرأي من خلال نظام تنظيم الإعلام الرقمي، معتبرة أن النظام يثير إشكاليات دستورية وقانونية تتعلق بحدود السلطة التنظيمية للفضاء الرقمي في الأردن.
وتاليا نص البيان كما ورد:
حرية سقفها السماء..لا يجوز للحكومة التطاول على الدستور والقانون
قراءة في تجاوزات الحكومة على حرية التعبير والرأي من خلال نظام تنظيم الإعلام الرقمي
تتابع المبادرة الليبرالية الأردنية باهتمام بالغ نظام تنظيم الإعلام الرقمي، الذي نشرته الحكومة في الجريدة الرسمية يوم 23 نيسان 2026 وسيكون نافذاً يوم 24 أيار 2026، وما يرتبط به من أحكام تتقاطع مع قانون المطبوعات والنشر وقانون الإعلام المرئي والمسموع، بسبب ما تراه المبادرة الليبرالية الأردنية من تقييد لحربة الرأي والتعبير وتقييد لعملية نشر المحتوى، بصورة تخالف القانون وفق القواعد الدستورية الراسخة، حيث أصدرت الحكومة نظام تنظيم الإعلام الرقمي استناداً للمادة 50 من قانون المطبوعات والنشر والمادة 32 من قانون الاعلام المرئي والمسموع.
وترى المبادرة الليبرالية الأردنية أن نظام تنظيم الإعلام الرقمي لا يقتصر على تنظيم قطاع إعلامي ناشئ، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والفضاء العام الرقمي، بصورة تثير تساؤلات دستورية وقانونية وسياسية عميقة تتعلق بحرية التعبير وحدود السلطة التنظيمية للحكومة.
إن أخطر ما يلفت الانتباه في النظام، هو استحداثه لصفة قانونية جديدة تحت مسمى (صانع المحتوى الرقمي)، مع ما يترتب على هذه الصفة من آثار قانونية واسعة تشمل الترخيص وإنشاء سجل خاص، وفرض التزامات وإخضاع هذه الفئة للعقوبات والرقابة الإدارية.
وتؤكد المبادرة الليبرالية الأردنية أن الأصل الدستوري والقانوني يقضي بأن وظيفة الحكومة هي تنفيذ القانون لا إنشاء مراكز قانونية جديدة لم ينص عليها المشرّع، فالنظام التنفيذي لا يجوز أن يتحول إلى أداة تشريع أصيل تتجاوز حدود التفويض التشريعي الوارد في القوانين النافذة.
وبالعودة إلى قانون المطبوعات والنشر وقانون الإعلام المرئي والمسموع، نجد أنهما لم يتضمنا تعريفاً لصناع المحتوى، ولم ينصا على إخضاع الأفراد لترخيص رقمي أو إنشاء سجل خاص بهم أو منح هيئة الإعلام صلاحية متابعة المحتوى الرقمي الفردي على هذا النحو الواسع، وعليه، فإن النظام المقترح يبدو متجاوزاً لحدود التفويض التشريعي، من خلال إنشاء التزامات ومراكز قانونية جديدة لم يتناولها القانون نفسه، الأمر الذي يثير إشكاليات دستورية حقيقية تتعلق بمبدأ المشروعية وتدرج القواعد القانونية.
وترى المبادرة الليبرالية الأردنية أن النظام يفتح الباب أمام تحويل حرية التعبير من حق أصيل إلى نشاط مهني خاضع للترخيص المسبق، وذلك من خلال معايير فضفاضة تمنح الإدارة سلطة تقديرية واسعة في تحديد من يُعتبر (صانع محتوى محترفاً)، فالمعايير المتعلقة بممارسة النشاط بـ(صفة مهنية) أو (كمصدر للدخل) أو (بصورة مستمرة ومنتظمة)، كما وردت في نظام تنظيم الإعلام الرقمي، هي معايير مرنة وقابلة للتوسع، بما قد يشمل اليوتيوبرز ومقدمي البودكاست وأصحاب الصفحات السياسية والقانونية والاقتصادية وصناع المحتوى الثقافي والتعليمي، وحتى الصفحات الساخرة أو الاجتماعية، وهنا لا تعود الحكومة، بأذرعها المختلفة، منظمةً للمؤسسات الإعلامية فقط، بل تتحول إلى جهة تمارس سيطرة مباشرة على المجال العام الرقمي، وتُخضع التعبير الفردي لبوابة الترخيص والإذن المسبق.
كما تعبر المبادرة الليبرالية الأردنية عن قلقها من الصياغات المفتوحة المتعلقة بمنح هيئة الإعلام صلاحية متابعة المحتوى الإعلامي الرقمي على شبكة المعلومات العالمية والمنصات والتطبيقات وأي وسائل تقنية مماثلة، دون وضع تعريف واضح لمفهوم (المتابعة) أو تحديد حدود هذا الاختصاص وضوابطه، فالنص لا يوضح ما إذا كانت المتابعة تعني الرصد أو المراقبة أو التصنيف أو جمع البيانات أو التقييم أو الإحالة الأمنية أو الرقابة الإدارية، الأمر الذي يفتح الباب أمام التوسع الإداري والرقابة الانتقائية والتأويل السياسي، في غياب محددات قانونية دقيقة تحمي الحقوق والحريات.
وتؤكد المبادرة الليبرالية الأردنية أن حرية التعبير حق دستوري أصيل، والأصل فيها الإباحة لا الإذن، ولا يجوز تقييدها إلا بقانون واضح وصريح ومحدد، وعندما يتحول الفضاء الرقمي إلى بنية ترخيصية خاضعة لسلطة تقديرية واسعة، فإن ذلك يهدد بتحويل الفضاء العام من مساحة للنقاش الحر إلى مساحة خاضعة للضبط الإداري والرقابة المسبقة.
كما تسجل المبادرة ملاحظتها على اشتراط شهادة عدم المحكومية للحصول على الترخيص، رغم أن الدستور الأردني والتشريعات النافذة لم تضع قيداً عاماً أو استثناءات على ممارسة حرية التعبير، وترى المبادرة الليبرالية الأردنية أن ربط الحق في التعبير بشرط إداري من هذا النوع يمثل توسعاً في تقييد الحقوق والحريات دون سند تشريعي.
كما ترى المبادرة الليبرالية الأردنية أن إخضاع صناع المحتوى للعقوبات المنصوص عليها في القوانين النافذة يثير إشكالية قانونية ودستورية تتعلق بمبدأ (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص)، فإذا كان أصل الالتزام القانوني نفسه قد أُنشئ بموجب نظام متجاوز للتفويض التشريعي، فإن العقوبات المبنية عليه تصبح محل تساؤل قانوني ودستوري، خاصة عندما يتعلق الأمر بتقييد حقوق وحريات أساسية كحرية الرأي والتعبير.
وتسجل المبادرة الليبرالية الأردنية استغرابها من اضطراب البناء القانوني لنظام تنظيم الإعلام الرقمي، حيث أن تعريف "صانع المحتوى الرقمي" جاء واسعاً وفضفاصاً إلى درجة لا يقتصر فيها على الأفراد والجهات الخاصة، بل يمتد ليشمل الوزارات والمؤسسات الحكومية والهيئات الرسمية، فهذه الجهات تمارس بصورة مستمرة ومنتظمة إنتاج ونشر المحتوى، وتستخدم المنصات الرقمية للتوعية والتسويق العام للخدمات المقدمة للمواطنين وغيرها، وقد تتقاضى موازنات مخصصة لإدارة هذه الصفحات أو للحملات الإعلامية، بما يحقق معايير النشاط الاحترافي.
وهنا تظهر الإشكالية القانونية، فإذا كانت الجهات الحكومية مشمولة بأحكام النظام، فذلك يقود إلى نتائج عبثية، كإخضاع الوزارات لعمليات الترخيص والتسجيل وتقديم كشوفات بالأجهزة والمنصات والحسابات الرقمية. أما إذا كانت مستثناة ضمنياً، فإن الإشكال يصبح أخطر؛ إذ لا يجوز في التشريعات المقيدة للحقوق والحريات أن تقوم الاستثناءات على الافتراض أو التطبيق الانتقائي، إذ يجب أن تكون محددة وواضحة وصريحة.
وانطلاقاً من ذلك، تدعو المبادرة الليبرالية الأردنية إلى إعادة النظر بصورة شاملة في نظام تنظيم الإعلام الرقمي، بما يضمن احترام الدستور والحفاظ على مبدأ المشروعية ومنع التوسع الإداري في تقييد الحريات العامة.
وتؤكد المبادرة الليبرالية الأردنية على أن تنظيم الفضاء الرقمي يجب ألا يتحول إلى أداة للرقابة على المجتمع أو لإخضاع التعبير الفردي لمنطق الترخيص المسبق، بل إلى إطار قانوني متوازن يحمي الحقوق والحريات ويصون في الوقت ذاته المصلحة العامة ضمن حدود القانون والدستور.
وترى المبادرة الليبرالية الأردنية أن على الحكومة إزالة القيود على حرية التعبير والرأي، مع التذكير أن هذه القيود هي التي أدت إلى تراجع الأردن إلى مراتب متأخرة في مجال حرية التعبير والرأي وفق المؤشرات العالمية، حيث احتل الأردن المرتبة 142 عالمياً من بين 180 دولة وفق مؤشر حرية الصحافة الذي نشرته منظمة مراسلون بلا حدود.
وتعرب المبادرة الليبرالية الأردنية عن استغرابها لغياب الأحزاب الأردنية في معركة الدفاع عن حرية التعبير والرأي، وعدم التفاتها إلى تقييد الحكومة لهذه الحريات عبر نظام تنظيم الإعلام الرقمي غير القانوني والدستوري، وتستمر الأحزاب الأردنية في غيابها عن الدفاع عن الحريات وكأن المساس بحرية الرأي والتعبير لم يعد قضية سياسية تستوجب الموقف الواضح.
كما تستغرب المبادرة الليبرالية الأردنية لغياب نقابة المحامين الأردنيين عن هذا النقاش الدستوري والقانوني الخطير، رغم أن الدفاع عن الدستور وسيادة القانون والحريات يقع في صميم دورها الطبيعي بوصفها بيت خبرة قانونياً ومؤسسة يفترض أن تكون في مقدمة الجهات المدافعة عن الحقوق والحريات في مواجهة أي توسع حكومي يمس المجال العام وحرية المواطنين، وخصوصاً أن النقابة قد استحدثت مسبقاً لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان، ولم تقدم هذه اللجنة أي قراءة في مضامين نظام تنظيم الإعلام الرقمي.
وترى المبادرة الليبرالية الأردنية أن تعامل الحكومة بصورة فردية مع صناع محتوى أردنيين لتشجيعهم على التسجيل وعدم مقاطعة الفضاء الرقمي محاولة يائسة تُظهر أن الحكومة لا تتعامل مع دورها الحقيقي، وهو الالتزام بالدستور والقانون وتطبيقهما، وتعمل الحكومة على تقديم حلول فردية في قضية تمس الحريات العامة للمواطنين، ما يحول نشاطها هذا إلى استعراض سياسي وليس إلى دور منضبط بالدستور والقانون، وكما ينص عليه الدستور الأردني، الذي يشكل المرجعية التي يخضع لها جميع الأردنيين.
وفي الختام، تؤكد المبادرة الليبرالية الأردنية أن نظام تنظيم الإعلام الرقمي، بصيغته الحالية، لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد تنظيم إداري للفضاء الرقمي كما صرحت هيئة الإعلام، إذ سجلنا توسعاً خطير في منطق الترخيص والمتابعة والوصاية على حرية التعبير وتقييد الفضاء العام، ونؤكد أن حرية التعبير تظل أصلاً دستورياً لا يُقيد إلا في أضيق الحدود وبقانون واضح ومحدد، لا بنظام فضفاض غير واضح ومحدد.