facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ضجيج بلا معرفة


حسان سلطان المجالي
16-07-2026 12:01 PM

في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المنبر يحتاج إلى علم أو خبرة أو مسؤولية ، تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي من أدوات لتبادل المعرفة إلى ساحات مفتوحة يختلط فيها الرأي بالمعلومة ، والحقيقة بالإشاعة ، والخبرة بالجهل ، ومن هنا تبدو المقولة التي تقول إن "الإنترنت لا يفسد المجتمع ، بل يكشف ما فيه" أقرب إلى توصيف جانب مهم من الواقع ، وإن كانت لا تصلح حكماً مطلقاً على كل ما يجري في الفضاء الرقمي ....

فالمشكلة لم تبدأ مع الإنترنت ، لكنها وجدت فيه البيئة المثالية للانتشار والتضخم ، فقد فتحت مواقع التواصل الاجتماعي الأبواب والشبابيك على مصراعيها أمام الجميع ، فبات من الممكن أن تقرأ رأي "السخيف قبل أن تسمع رأي الفصيح" ، وأن يتصدر المشهد من لا يملك علماً ولا معرفة ولا اختصاصاً ، بينما يتراجع أصحاب الفكر والخبرة إلى الخلف تحت ضغط الضجيج الهائل الذي لا ينتهي ....

ولعل أخطر ما أفرزته هذه الظاهرة هو انهيار المعايير التي كانت تميز بين "الرأي المعتبر والرأي العابر" ، ففي الماضي كان للرأي أهله من أصحاب العلم والمعرفة والخبرة ، وكانت الكلمة تُوزن بميزان الاختصاص والمسؤولية ، أما اليوم فقد أصبح رأي الجاهل مساوياً لرأي الخبير في نظر كثيرين ، ليس لقوة الحجة ، بل لأن المنصة الرقمية منحت الجميع المساحة ذاتها والقدرة ذاتها على الوصول والتأثير ....

وهنا لا تكمن الخطورة في حرية التعبير ذاتها ، فحرية الرأي "قيمة إنسانية ودستورية" لا يجوز المساس بها ، وإنما في غياب الوعي الذي يميز بين المعلومة الموثقة والادعاء المجاني ، وبين النقد المسؤول والاتهام المرسل من قضية عامة تحولت إلى مادة يومية للشكوى والصراخ ، وكم من مؤسسة أو مسؤول أو مشروع وُضعت عليه تهم الفساد والإهمال دون دليل أو بينة أو معرفة حقيقية بالوقائع ، فأصبح إطلاق الاتهامات أسهل بكثير من تقديم الأدلة ، وأسرع انتشاراً من الحقائق نفسها ....

ومن الناحية القانونية ، فإن حرية التعبير لا تعني حرية التضليل ، ولا تمنح أحداً حق اغتيال السمعة أو نشر الأخبار الكاذبة أو بث الإشاعات التي تضر بالمجتمع والدولة والأفراد ، فالقانون "يحمي الرأي لكنه لا يحمي الكذب ، ويحمي النقد لكنه لا يحمي الافتراء" وبين هذين الحدين تضيع أحياناً الحدود الفاصلة لدى كثير من مستخدمي المنصات الرقمية الذين يتعاملون مع الشائعة باعتبارها حقيقة ، ومع الظن باعتباره دليلاً ، ومع الانفعال باعتباره حكماً نهائياً وقطعياً ....

لقد أنتجت مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة "الضوضاء العامة" ، حيث يعلو الصوت أكثر مما تعلو الفكرة ، وتُقاس القيمة بعدد المتابعين لا بعمق المعرفة ، وتُمنح الشهرة لمن يجيد الإثارة لا لمن يمتلك الحقيقة ، وفي ظل هذا الواقع يطفو الزبد على السطح ، بينما تتوارى القيمة الحقيقية خلف سيل من المنشورات والتعليقات والمقاطع التي لا تضيف إلى الوعي إلا مزيداً من التشويش ....

ولا يعني ذلك الدعوة إلى إغلاق المنصات أو تقييد الحريات ، فهذه الوسائل قدمت فرصاً غير مسبوقة للتواصل والوصول إلى المعرفة ، لكن المسؤولية انتقلت اليوم إلى "المتلقي نفسه" ، فبعد أن كانت هناك مؤسسات تحرير ومراجعة وتدقيق ، أصبح الفرد هو من يتحمل مسؤولية الفرز والتمييز والتحقق ، ولذلك لم يعد السؤال : من الذي يتحدث ..؟ بل أصبح السؤال الأهم : ما مصدر ما يقول ..؟ وما الدليل عليه ..؟ وما مدى اختصاصه في الموضوع الذي يتحدث فيه ..؟

إن المعركة الحقيقية في عصر التواصل الاجتماعي ليست معركة حرية ، بل هي معركة وعي ، فالمجتمعات لا تنهار لأن الناس يتكلمون ، وإنما قد تنهار عندما يتساوى صوت الجاهل مع صوت الخبير ، وعندما تصبح الإشاعة منافساً للحقيقة ، وعندما يتخلى الجمهور عن مسؤوليته في التحقق والتمييز ، عندها لا تعود المشكلة في المنصة نفسها ، بل فيمن يمنح ثقته لمن لا يستحقها ، وفيمن يسلّم عقله للضوضاء ويُقصي المعرفة جانباً ....

وفي النهاية ، فإن الحفاظ على الوعي العام لم يعد مسؤولية الدولة أو المؤسسات التعليمية أو الإعلام وحدها ، بل أصبح واجباً جماعياً ، فحرية التعبير التي منحتها التكنولوجيا للبشرية هي نعمة عظيمة ، لكنها تتحول إلى نقمة عندما تُستخدم لترويج الجهل والتضليل وتحويل الرأي غير المتخصص إلى مرجعية عامة ، وعندها يصبح الدفاع عن الحقيقة والعلم والمعرفة واجباً وطنياً وأخلاقياً وقانونياً لا يقل أهمية عن أي معركة أخرى يخوضها المجتمع من أجل مستقبله ....

والله المستعان .

* مستشار قانوني





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :