ما بين القُمّيز واللِزليز ..
محمود الدباس - أبو الليث
22-05-2026 08:58 PM
ليست كل الأمثال الشعبية مجرد كلمات عابرة.. فبعضها يشبه المرايا التي تعبر الأزمنة.. دون أن يبهت معناها.. وكأنها كُتبت لهذا اليوم لا لأيام مضت.. وحين قال العرب إن ردايا العرب ثلاثة.. القُمّيز واللِزليز والحِزحيز.. لم يكونوا يصفون أشخاصاً.. بقدر ما كانوا يحذرون من طِباع.. لأن الطبع حين يتحول إلى سلوك دائم.. يصبح أذىً يمشي بين الناس..
فالقُمّيز.. هو ذاك الذي لا يحتمل أن يبقى في الظل ولو للحظة.. يتصدر كل مجلس.. ويتحدث في كل شأن.. ويقاطع كل صاحب رأي.. لا لأنه الأكثر علماً.. بل لأنه الأكثر جوعاً للانتباه.. فإن حضر مسؤول.. تمدد صوته أكثر.. وإن جلس صاحب نفوذ.. انتفخت عباراته وكأن الحكمة لا تنطق إلا من فمه.. يظن أن كثرة الكلام تصنع قيمة.. بينما الحقيقة أن الضجيج لا يصنع هيبة..
والمشكلة أن القُمّيز لا يؤذي نفسه فقط.. بل يقتل المساحات التي كان يفترض.. أن يتحدث فيها أصحاب المعرفة الحقيقيون.. فتضيع الفكرة بين الاستعراض.. ويتراجع أهل الخبرة خطوة للخلف.. لأن المجلس لم يعد يبحث عن الرأي.. بل عن صاحب الصوت الأعلى..
أما اللِزليز.. فهو أكثر هدوءاً.. لكنه أشد خطراً.. لا يقترب من الناس حباً بهم.. بل حباً بما عندهم.. يلتصق بأصحاب المال والمناصب.. كما يلتصق الظل بالجدار.. يبتسم كثيراً.. ويوافق كثيراً.. ويصفق حتى قبل أن يفهم.. لأن غايته ليست القناعة.. بل الحظوة..
ولن أخوض في النوع الثالث.. وهو الحِزحيز.. أي الشخص الذي يرحب بالضيوف وهو جالس.. فهذا شخص يمقته الجميع..
فالقُمّيز واللِزليز.. هم أخطر مَن يفسد المجتمعات بصمت.. لأنهم يصنعون حول المسؤولين جداراً من التصفيق الكاذب.. فيُحجب الصادق.. ويُقدم المتسلق.. وتصبح العلاقات قائمة على المنفعة.. لا القيمة.. وعلى المصلحة.. لا الكفاءة..
وفي زماننا المُعاش.. أصبحت فيه الصورة.. أهم من الجوهر عند الغالبية.. كثر القُمّيز واللِزليز معاً.. الأول يبحث عن الضوء.. والثاني يبحث عمن يقف تحت الضوء.. وكلاهما مستعد أن يفعل أي شيء.. إلا أن يكون حقيقياً..