التدريب المهني .. استثمار في الإنسان وجذب للاستثمار
د. أحمد العموش
23-05-2026 01:33 PM
في ظل التحديات التي يواجهها سوق العمل، يبرز التعليم والتدريب المهني والتقني كأحد أهم الحلول العملية لمعالجة البطالة ورفع مستوى المعيشة وتحفيز الاستثمار. فقد قدمت مؤسسة التدريب المهني خلال السنوات الماضية عشرات البرامج والدورات المتخصصة في المهن التي يحتاجها السوق فعلياً، بدءاً من تشكيل المعادن، وصيانة المركبات والكهرباء والإلكترونيات، وصولاً إلى الحلاقة والكوافير وصناعة الحلويات وغيرها من المهن المطلوبة محلياً وإقليمياً.
هذه التجربة تعد من التجارب الوطنية الناجحة، إلا أنها ما تزال بحاجة إلى تسويق أوسع وإيجاد قنوات أكثر فاعلية لتوجيه الشباب نحو هذه التخصصات، سواء من خلال المدارس أو الجامعات أو وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. فالكثير من الفرص المهنية المتاحة لا تزال غير معروفة بالشكل الكافي لدى الباحثين عن العمل.
ويلاحظ أن العديد من العمالة الوافدة، وخاصة من السوريين والمصريين، استطاعت الاندماج سريعاً في سوق العمل لأنها تمتلك مهارات ومهن عملية مطلوبة. فالقاعدة البسيطة تقول: من يمتلك مهنة يمتلك فرصة للعمل والإنتاج. لذلك فإن تأهيل الشباب الأردني مهنياً وتوجيههم نحو التخصصات المطلوبة يمكن أن يسهم بشكل كبير في خفض معدلات البطالة، ورفع مستويات الدخل، وتقليل حجم التحويلات المالية إلى الخارج الناتجة عن الاعتماد على العمالة الوافدة في العديد من القطاعات.
ومن المهم أيضاً توجيه جزء من برامج التدريب المهني نحو خريجي الجامعات العاطلين عن العمل، عبر تزويدهم بالمهارات التطبيقية المطلوبة في السوق. فالمؤهل الأكاديمي وحده لم يعد كافياً في كثير من التخصصات، بينما يسهم اكتساب المهارات المهنية والتقنية في زيادة فرص التشغيل، وتقليل البطالة بين الخريجين، وتلبية احتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة من العمالة المؤهلة.
كما أن التدريب المهني لا يقتصر أثره على توفير فرص العمل فحسب، بل يساهم أيضاً في تأسيس مشاريع صغيرة ومتوسطة جديدة، ورفد المشاريع القائمة بالعمالة المؤهلة، ما يعزز الإنتاجية ويرفع تنافسية الاقتصاد الوطني. فالمستثمر يبحث دائماً عن بيئة تتوافر فيها الكفاءات والمهارات اللازمة لتشغيل مشاريعه، وبالتالي فإن وجود قوة عاملة مدربة يعد أحد أهم عوامل جذب الاستثمار.
وفي هذا الإطار، تبرز الجهود الكبيرة التي يقودها سمو ولي العهد في دعم وتأهيل الشباب من خلال المبادرات والبرامج النوعية، ودعم قطاع التدريب المهني والاستفادة من أفضل التجارب العالمية في إعداد وتأهيل الكوادر البشرية بما ينسجم مع احتياجات الاقتصاد الحديث ومتطلبات سوق العمل المستقبلية.
إن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، والتدريب المهني والتقني ليس خياراً ثانوياً، بل ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وكل دينار يُنفق على تأهيل الشباب مهنياً يعود بأضعافه على الاقتصاد الوطني من خلال فرص العمل الجديدة، وزيادة الإنتاجية، وجذب الاستثمارات، وبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
فالتدريب المهني ليس مجرد مسار تعليمي بديل، بل هو أداة تنموية واقتصادية تسهم في مكافحة البطالة، وتحسين مستوى المعيشة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وجذب الاستثمارات التي تبحث دائماً عن العمالة الماهرة والمؤهلة.