facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل تصنع السيجارة أنوثةً أم تسرقها؟


أ. د. هاني الضمور
24-05-2026 12:09 PM

في زمنٍ أصبحت فيه الصورة أسرع انتشارًا من الفكرة، وأصبحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي تصنع نماذجَ جديدةً للسلوك والذوق وأنماط الحياة، تسللت إلى عقول كثيرين مفاهيمُ تربط بين التدخين وبين الأناقة أو الجرأة أو الاستقلالية أو حتى الحضور اللافت. وباتت السيجارة في بعض المشاهد تُقدَّم وكأنها جزء من الشخصية، أو وسيلة لإظهار النضج والثقة بالنفس، حتى ترسخت لدى البعض صورة ذهنية توحي بأن التدخين يضيف إلى الإنسان شيئًا من الجاذبية أو يمنحه بعدًا مختلفًا أمام الآخرين. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تصنع السيجارة حقًا أنوثةً أو تضيف جمالًا أو تمنح صاحبها قيمةً أكبر؟

إن الحقيقة التي قد يحاول البعض تجاهلها هي أن الأنوثة لا تُختزل في مشهدٍ عابر، ولا تُقاس بعادةٍ مكتسبة، ولا يمكن أن تختصرها سيجارة تحترق خلال دقائق ثم تتحول إلى رماد. فالأنوثة ليست دخانًا يتصاعد في الهواء، وليست صورة تُلتقط أمام عدسة كاميرا ثم تختفي. إنها معنى أعمق من ذلك بكثير؛ فهي حضورٌ راقٍ، وثقةٌ بالنفس، واحترامٌ للذات، وقدرةٌ على الحفاظ على الجمال الداخلي والخارجي معًا.

لقد لعبت بعض الإعلانات والأعمال الفنية دورًا كبيرًا في ترسيخ صورة غير دقيقة عن التدخين، حيث تم تقديمه في كثير من الأحيان باعتباره رمزًا للتحرر والقوة والشخصية المستقلة. وجرى تصوير المرأة المدخنة على أنها أكثر جرأة، والرجل المدخن على أنه أكثر قوة وهيبة، وكأن السيجارة أصبحت بطاقة عبور إلى عالم التميز والاختلاف. غير أن هذه الصورة في حقيقتها ليست سوى وهمٍ تسويقي صُمم بعناية ليجعل من عادةٍ ضارة شيئًا مرغوبًا وجذابًا.

إن شركات التبغ لا تبيع منتجًا عاديًا فحسب، بل تبيع أفكارًا وصورًا ذهنية ومشاعر مغلفة بالشعارات البراقة. فهي لا تبيع الدخان وحده، بل تبيع فكرة الجرأة، والاستقلالية، والحرية، مع أن الواقع يثبت شيئًا مختلفًا تمامًا. فالحرية لا تعني أن يصبح الإنسان رهينة لعادةٍ يصعب عليه التخلي عنها، ولا تعني أن تتحكم مادة ما في مزاجه وراحته اليومية.

ومن المفارقات أن الإنسان يبدأ التدخين غالبًا بدافع الفضول أو التجربة أو الرغبة في تقليد الآخرين، ظنًا منه أنه يمارس حريته الشخصية، لكنه قد يكتشف بعد فترة أنه فقد جزءًا من تلك الحرية. فكم من شخص قال يومًا إنه يدخن بمحض إرادته، ثم وجد نفسه عاجزًا عن ترك التدخين رغم إدراكه لأضراره الصحية والنفسية والمادية. عندها يتحول الاختيار إلى ارتباط، ويتحول الارتباط إلى اعتماد يصعب التخلص منه.

ولا يقتصر خطر التدخين على الجانب الصحي فقط، رغم أن مخاطره معروفة ومثبتة، بل يمتد أثره إلى الجانب الاجتماعي والنفسي أيضًا. فالتدخين لا يضيف إلى الإنسان جمالًا أو حضورًا حقيقيًا، بل قد يؤثر على نضارة الوجه وصحة الجسد ويترك آثارًا سلبية تتراكم مع مرور الوقت. كما أنه يضع الإنسان في دائرة من الاعتياد قد تُفقده شيئًا من سيطرته على قراراته.

إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود السيجارة ذاتها، بل في المعاني التي يحاول البعض إلصاقها بها. فحين يتم تقديم التدخين على أنه رمز للأناقة أو علامة على الرقي أو دلالة على القوة، فإننا نمنح عادة مؤذية مكانةً لا تستحقها، ونحوّل الوهم إلى حقيقة في نظر فئات من المجتمع، خصوصًا الشباب الذين يبحثون عن هوية أو صورة مميزة لأنفسهم.

إن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يحمله بين أصابعه، بل بما يحمله من فكرٍ وأخلاقٍ ووعي. والجمال الحقيقي لا يحتاج إلى دخانٍ يحيط به حتى يراه الآخرون، لأن الجمال الذي يُبنى على المظاهر الزائفة سرعان ما يتلاشى، بينما يبقى الجمال المرتبط بالثقة بالنفس والوعي واحترام الذات أكثر قوةً وتأثيرًا واستمرارًا.

وفي النهاية، تبقى الحرية الحقيقية هي أن تمتلك قرارك لا أن تمتلكك عادة، وأن تدرك أن التميز لا يُصنع من دخانٍ عابر، وأن الجمال لا يولد من سيجارة، بل من إنسان يعرف قيمة نفسه جيدًا ويحافظ على ما وهبه الله من صحةٍ وكرامةٍ وجمال.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :