facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين ينحدر الخطاب الرقمي من الاتزان إلى الانفلات


فيصل تايه
01-06-2026 08:44 AM

​لم تعد أزمة الفضاء الرقمي في الأردن تتمثل في انتشار المعلومات المضللة أو تصاعد الجدل الإلكتروني فحسب، بل في التراجع التدريجي لمكانة الكلمة المتوازنة نفسها، إذ من الملاحظ تشكل بيئة رقمية تُكافئ الإثارة أكثر مما تُكافئ المعرفة، وتمنح الانتشار للأكثر صخباً لا للأكثر عمقاً، حتى باتت الحدة اللفظية في كثير من الأحيان طريقاً مختصراً إلى التأثير، بينما أصبح الاتزان أقل قدرة على المنافسة في سباق التفاعل والانتشار.

والأخطر أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد انحرافات فردية أو محتوى هامشي ، بل ملامح لنمط ثقافي آخذ في الترسخ، فحين تتحول الإساءة إلى أسلوب نقاش، ويُعاد تعريف الاستفزاز بوصفه رأياً، وتُقدم الحدة اللفظية باعتبارها شجاعة، فإننا لا نكون أمام خلل في أدوات التواصل، بل أمام إعادة تشكيل صامتة لقواعد الخطاب العام ذاتها.

​ولعل ما يدفعنا للوقوف ملياً عند هذا المشهد، هو ذلك التحول الملحوظ في طبيعة الخطاب؛ إذ لم يعد الفضاء الرقمي مجرد امتداد تقني لوسائل الاتصال التقليدية أو مساحة لتبادل المعرفة والحوار، بل أصبح مجالاً تفاعلياً معقداً تتداخل فيه حرية التعبير مع أنماط من التفاعل الانفعالي والسريع، ما أفضى إلى تراجع نسبي في مستويات الخطاب المتزن لصالح خطاب أكثر حدة واندفاعاً.

ويُلاحظ أن منصات التواصل الاجتماعي لم تعد تقتصر على نقل الخبر أو مناقشة القضايا العامة، بل باتت تُنتج أنماطاً خطابية هجينة تتأثر بمنطق السرعة والانتشار اللحظي، على حساب الدقة والعمق والتحليل الرصين. وهنا تحديدًا، لم تعد الكلمة تُقاس بقدرتها على الإقناع، بل بقدرتها على إثارة الانتباه.

​وفي هذا السياق، يمكن القول إننا انتقلنا من سؤال “ماذا نقول؟” إلى سؤال أكثر قسوة: “كيف نُنتج أكبر قدر من التفاعل؟”. هذا التحول لم يغير شكل الخطاب فقط، بل أعاد تعريف قيمته؛ فبدل أن تكون المعرفة هي معيار الوجاهة، أصبح الانتشار هو المعيار الحاكم ، فلم يعد النقاش العام مساحة لتبادل الأفكار، بل ساحة تنافس على الظهور، حتى وإن كان ذلك على حساب المعنى.

ولعل المفارقة الأبرز أن اتساع الفضاء الرقمي لم يؤدِّ إلى اتساع الفهم، بل إلى تضخم الصخب؛ فكلما ازدادت الأصوات، تراجعت القدرة على بناء معنى مشترك ، وهكذا أصبح الخطاب العام أكثر ازدحاماً، لكنه أقل عمقاً، وأكثر حضورًا، لكنه أقل تأثيراً في جوهره.

​ولا يمكن فصل هذا التحول عن منطق “اقتصاد الانتباه”، حيث لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات تقنية لتنظيم المحتوى، بل أنظمة غير مباشرة تعيد ترتيب القيم ذاتها؛ فهي تكافئ ما يثير الانفعال، وتدفع بالمحتوى الأكثر جدلاً إلى الواجهة، بينما تُهمّش الخطاب الهادئ والمتزن ، وهو أمر نلمسه واقعاً ومعاناةً في تجربتنا اليومية؛ إذ تكاد الأطروحات الرصينة ومنشورات العديد من قادة الفكر وأصحاب المضامين الهادفة تختفي من فضاء التفاعل وتُحجب ضمنياً عن الجمهور، لكونها لا تتماشى مع شروط تلك الخوارزميات، ولأن سوق المحتوى الاستفزازي بات أكثر ربحاً من الفكرة، والضجيج أكثر انتشاراً من المعنى.

ومع مرور الوقت، لا يبقى أثر هذا النمط محصوراً داخل الفضاء الرقمي، بل يتسرب تدريجياً إلى الوعي الاجتماعي، إذ يعاد تشكيل مفاهيم مثل النقد والحرية والجرأة، بحيث يُنظر إلى الحدة بوصفها شجاعة، وإلى الاستفزاز بوصفه رأياً مشروعاً، بينما يُختزل الاتزان في الصمت أو التهميش. وهكذا تتغير معايير الحكم على الخطاب دون إعلان، وبشكل تراكمي غير ملحوظ.

​والأخطر من ذلك أن هذا التحول لا يهدد جودة النقاش العام فقط، بل ينعكس على البنية الاجتماعية ذاتها؛ فالمجتمعات لا تتماسك بالقوانين وحدها، بل بوجود حد أدنى من الثقة المتبادلة والقدرة على الاختلاف دون خصومة. وحين يتحول النقاش إلى صراع دائم، يتراجع الشعور بالمشترك، وتتعزز حالة الاستقطاب، وتضعف الثقة في المجال العام ومؤسساته. كما أن امتداد هذا الخطاب إلى الخارج لا يظل بلا أثر، إذ ينعكس على الصورة الذهنية للمجتمع والدولة، بما يؤثر في مستويات الثقة والسمعة والانطباع العام؛ فالمشهد الرقمي بات جزءاً من الواجهة التي تُقرأ من الخارج، لا مجرد مساحة داخلية معزولة.

​وعليه، فإن معالجة هذه الإشكالية لا يمكن أن تظل محصورة في الجانب التقني أو الرقابي، بل تتطلب مقاربة أعمق تمس الثقافة ذاتها؛ فالمطلوب ليس تقليل الحرية، بل إعادة تعريف مسؤوليتها. ويشمل ذلك تعزيز التربية الإعلامية، وترسيخ مهارات التفكير النقدي، وتطوير وعي رقمي قادر على التمييز بين الرأي والانفعال، بين النقد والإساءة، وبين الحرية والفوضى.

وفي النتيجة ، لا يتعلق الأمر بظاهرة عابرة في أساليب التواصل، بل بتحول يمس وظيفة الكلمة في المجال العام. فإما أن تبقى اللغة أداة لبناء المعنى المشترك، أو تتحول إلى وسيلة لإنتاج الضجيج اللحظي. وبين هذين المسارين، يُحسم مستقبل الخطاب الرقمي، وتُرسم ملامح أثره في المجتمع والدولة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :