هل غزة هي السبب في انتصار وصمود إيران وحزب الله؟!
محمود الدباس - أبو الليث
01-06-2026 12:29 PM
ما دعاني لكتابة هذا المقال.. هو مئات.. وربما آلاف التعليقات التي تأتيني من أهلنا في غزة.. أو من المتعاطفين معهم من خارج فلسطين وخاصة من العراق.. والتي تُحمّل العرب عموماً.. والأردن خصوصاً.. مسؤولية ما جرى ويجري في القطاع..
وبغض النظر عن حجم الألم والمأساة التي يعيشها أهل غزة.. فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو.. لماذا يُلام مَن لم يعِد بشيء.. ولا يُلام مَن وعد بكل شيء؟!..
فالعرب لم يخفوا مواقفهم.. فمنهم مَن أعلن صراحة.. أنه لا يريد الدخول في حرب يدرك مسبقاً موازين القوى فيها.. ومنهم مَن انكفأ على همومه الداخلية.. وأزماته الاقتصادية.. ومنهم من ركز على مشاريعه التنموية.. وبناء اقتصاده وتحسين مستوى معيشة شعبه..
قد يصف البعض ذلك بالاستكانة والاستسلام.. وقد يراه آخرون حكمة وقراءة واقعية للمشهد.. لكن الحقيقة أن هذه المواقف.. كانت معلنة وواضحة.. ولم تكن سراً على أحد..
أما إيران.. فكانت تقول شيئاً مختلفاً تماماً..
فهي وباعتراف قيادات حماس نفسها.. مَن درّبت وسلّحت ومولت.. وهي التي قدمت نفسها راعية لمحور المقاومة.. وقائدة لوحدة الساحات..
ولم يكن الأمر سياسياً فقط.. بل أُلبس لبوساً عقائدياً ودينياً أيضاً.. فارتفعت الرايات والشعارات الدينية والثورية.. وتكررت الآيات والخطب والحماسة..
لكن اللافت.. أن بعضهم كان يردد قوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ}.. ويتوقف عند هذا الحد..
بينما تتمة الآية تقول {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}..
فالغاية من القوة ليست استعراضها.. وإنما تحقيق الردع بها..
واللافت في طرحهم أنهم تغافلوا عن الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.. والتي فيها وعد رباني واضح وقاطع.. بأن مَن ينصر الله حق نصرته.. فالنتيجة الحتمية المباشرة هي نصر الله له.. بغض النظر عن عدوه..
ثم جاءت لحظة الاختبار الحقيقي في السابع من أكتوبر..
وقامت حماس بما قامت به اعتماداً على قناعة راسخة لدى كثيرين.. بأن محور المقاومة سيتحرك.. وأن وحدة الساحات ستصبح حقيقة.. وأن المنطقة ستشتعل في وجه الاحتلال..
لكن ما الذي حدث؟!..
دُمّرت غزة.. وقُتل الأطفال والنساء.. وسقط آلاف الشهداء.. واستشهد أو اغتيل قادة الصف الأول.. وتحول القطاع إلى ركام..
بينما بقيت الساحات الأخرى في حدودها الدنيا.. وبقيت الجبهات الكبرى تنتظر.. وبقي فيلق القدس الذي حمل اسم القدس بعيداً عن القدس..
وهنا تبدأ الأسئلة المحرجة..
- إذا كانت إيران تملك كل هذه القوة التي شاهدناها.. فلماذا لم تستثمر حالة الإنهاك التي أصابت جيش الاحتلال في بداية الحرب؟!..
- ولماذا لم نشاهد تلك الصواريخ التي قيل إنها ستغيّر وجه المنطقة؟!..
- ولماذا تُركت غزة لتخوض المعركة وحدها تقريباً؟!..
ثم جاءت المفارقة الأكبر.. فهل هي لعنة غزة؟!..
فبعد كل ما جرى في غزة.. كانت الحرب على إيران.. فبدأنا نسمع عن صمود إيراني أسطوري.. وانتصار تاريخي غير مسبوق..
- وانتصار تُضرب خلاله منشآت استراتيجية حساسة..
- وانتصار تُستهدف خلاله قيادات عسكرية وأمنية رفيعة.. حيث تم تصفية الصف الأول والثاني وربما الثالث..
- وانتصار يتعرض خلاله الاقتصاد لضغوط هائلة..
- وانتصار يتم استجداء أموال مجمدة هي حقهم..
- وانتصار تُفرض خلاله إجراءات أمنية غير مسبوقة.. على حركة المسؤولين والقيادات.. بحيث لا يستطيع المرشد أن يستخدم الهاتف.. والوفد المفاوض يستقل طائرات باكستانية.. والمرشد الذي تم استهدافه ما زال في ثلاجة الموتى دون دفن يليق بمكانته..
- وانتصار دمر المشروع النووي الذي استنزف مقدرات إيران لعقود..
- وانتصار لا يستطيع استهداف وتدمير البوارج الامريكية التي تشن منها الهجمات.. والتي هي على مرمى الحجر.. وفي المقابل يتم استهداف دول عربية بعيدة.. بحجة وجود قواعد على أراضيها..
- وانتصار يجلس أصحابه مع الشيطان الأكبر نفسه للتفاوض والذي طالما هاجموه.. ويتم رفض طلبات المنتصر..
- والأغرب من ذلك كله.. أن غزة نفسها.. التي قيل إن كل هذه المحاور وُجدت من أجلها.. تغيب عن أي حديث حول وقف العدوان عليها..
فكيف يكون هذا انتصاراً؟!..
وأي نصر هذا الذي يجعل الدولة أكثر قلقاً.. وحذراً.. واستنفاراً.. مما كانت عليه قبل الحرب؟!..
بل كيف يكون نصراً.. إذا كان المسؤول المنتصر يتحرك وكأنه في قلب الخطر الدائم؟!..
أما على الجبهة الأخرى..
فها هو الجيش الإسرائيلي يتوغل في لبنان.. ويقصف.. ويدمر.. ويقتل.. ويستبيح الأرض..
وفي المقابل لا يزال الإعلام نفسه يحدثنا عن صمود أسطوري.. وانتصار مؤزر..
حتى أصبح المرء يخشى أن يرى الهزيمة يوماً.. لأنه لم يعد قادراً على التمييز بينها وبين النصر..
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم.. ليس لماذا لم يحارب العرب؟!.. فالعرب لم يعدوا أحداً بالحرب أصلاً..
السؤال الحقيقي هو.. لماذا لا يُسأل الذين وعدوا بوحدة الساحات؟!..
ولماذا لا يُحاسب الذين رفعوا سقف التوقعات إلى السماء؟!..
ولماذا يهاجم الناس مَن لم يشارك في اتخاذ القرار.. بينما يعفون من المسؤولية.. أولئك الذين دربوا.. وسلحوا.. ومولوا.. وشجعوا.. ورفعوا الشعارات.. ثم تركوا غزة تواجه مصيرها وحدها؟!..
أم أن غزة أصبحت الميدان الوحيد.. الذي تُدفع فيه الفواتير.. بينما تُوزع في أماكن أخرى شهادات الصمود والانتصار؟!..