facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تتحول الكتابة إلى معركة وعي .. لا مجرد حروف


السفير د. موفق العجلوني
02-06-2026 03:57 PM

توقفت طويلًا أمام الحوار الاستثنائي الذي نشره عطوفة الاستاذ الدكتور عبدالله الزعبي رىيس جامعة البلقاء التطبيقيةً سابقاً في “عمون” الغراء بتاريخ ١٩/٥/٢٠٢٦ تحت عنوان:

“ما بين اقرأ واكتب… حوار على حافة ضياع الوعي”.

لم يكن ما قرأته نصًا عابرًا يمرّ كغيره من النصوص ، بل كان أشبه بجرس ثقافي هائل يوقظ فينا أسئلة مؤجلة، ويضعنا أمام مرآة حضارية تكشف بصدقٍ موجع ما آل إليه الإنسان العربي من اغتراب عن المعرفة العميقة، وانجراف متسارع نحو الاستهلاك البصري السريع، حيث تُختزل الأفكار في ثوانٍ، ويُستبدل التأمل بالتمرير السريع للشاشات.

لم يكن الحوار مجرد تبادل للأفكار بين صديقين، بل بدا وكأنه مواجهة صامتة بين عصرين؛ عصرٍ كانت فيه الفكرة تُولد ببطء داخل كتاب، وتنضج في عزلة التأمل، وعصرٍ تُستهلك فيه المعاني كما تُستهلك الصور العابرة، بلا أثرٍ طويل في العقل أو الروح.

واللافت في طرح الدكتور الزعبي أنه لم يسقط في فخ العداء التقليدي للتكنولوجيا، ولم يتكئ على حنين المثقف المهزوم إلى الماضي، بل اقترب من القضية بوعيٍ فلسفي عميق، حين طرح السؤال الأخطر:

هل ما زلنا نملك القدرة على التفكير الطويل؟

هنا بالتحديد تتجلى عبقرية الحوار؛ فهو لا يناقش القراءة والكتابة بوصفهما مهارتين، بل باعتبارهما أساس تشكّل الحضارة الإنسانية. فمن “اقرأ” بدأت رحلة الوعي البشري، ومن “الذي علّم بالقلم” بدأت الذاكرة الإنسانية تحفظ نفسها من الضياع. وكأن الحوار يريد أن يقول إن القراءة تبني الوعي الفردي، بينما تصنع الكتابة الوعي الجمعي، وإن الحضارات التي كتبت تاريخها بقيت، أما التي اكتفت بالمشافهة فقد التهمها النسيان أو شوّهها الزمن.

وفي واحدة من أكثر العبارات كثافة وعمقًا، يمرّ الحوار على فكرة تختصر تاريخ العلاقة بين السلطة والمعرفة:

“التاريخ لم يكن يخاف القارئ الصامت بقدر خوفه من الكاتب.” فالكاتب ليس ناقلًا للكلمات فحسب، بل صانع ذاكرة، وحارس معنى، ومنتج وعي. ولهذا كانت الكتب تُصادر، والمفكرون يُنفون، والفلاسفة يُحاكمون عبر العصور؛ لأن الكتابة كانت دائمًا فعل مقاومة ضد النسيان، وضد القابلية العمياء للسيطرة.

لكن الحوار، في جوهره الأعمق، لا يتحدث عن القراءة بوصفها عادة ثقافية فقط، بل عن انهيار المعنى ذاته. إنه يرثي الإنسان المعاصر الذي بدأ يفقد حاجته إلى التفكير، لا حاجته إلى الكتاب فحسب. فالمشكلة لم تعد أمية تقليدية، بل أمية جديدة ترتدي ثياب الحداثة ، جيلٌ يعرف كيف يستهلك المحتوى، لكنه لا يعرف كيف يبني فكرة، جيلٌ يتفاعل بسرعة لكنه يتأمل بصعوبة.

ومن هنا تأتي خطورة التحول الذي وصفه الدكتور الزعبي بدقة مؤلمة: الانتقال من “مجتمع المعرفة” إلى “مجتمع المشاهدة”.

لقد أصبح الإنسان محاصرًا بفيضٍ هائل من الصور والمقاطع والتنبيهات، حتى بات عقله يُعاد تشكيله وفق إيقاع السرعة لا عمق الفكرة. وكما قال الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان: “في كتابه : Understanding Media : “ الوسيلة هي الرسالة”، فالخطر لا يكمن فقط فيما نعرفه، بل في الطريقة التي تصلنا بها المعرفة. حين تصبح الشاشة أسرع من الكتاب، والصورة أقوى من الكلمة، يتغير العقل نفسه، وتتغير علاقته بالزمن والتفكير والأسئلة.

وما منح الحوار هذه الدرجة العالية من الصدق، أنه لم يُكتب من برجٍ ثقافي عاجي، بل خرج من قلب الواقع الأردني والعربي، وربط بذكاء بين أزمة القراءة وأزمة التعليم، وبين أزمة التعليم وأزمة الخطاب، وبين أزمة الخطاب وأزمة الثقة. فالمشكلة ليست في صعود “المؤثر” بحد ذاته، بل في تراجع دور المعلم والمثقف والمؤسسة التعليمية والثقافية.

حين تفقد المؤسسات قدرتها على الإقناع، يظهر “الترند” ليملأ الفراغ. لكن الترند، مهما علا صوته، لا يبني وطنًا، ولا يصنع مشروعًا حضاريًا، ولا يخلق عقلًا نقديًا قادرًا على حماية المجتمع من التضليل والانفعال والشعبوية.

لقد بدا حوار الدكتور الزعبي وكأنه يتحدث عن كل واحد منا؛ عن هواتفنا التي تسرق انتباهنا، وعن تشتتنا الداخلي، وعن عجزنا أحيانًا عن إكمال كتاب، وعن تحوّلنا التدريجي إلى مستهلكين دائمين للمحتوى السريع. وهنا تكمن القيمة الكبرى للنص؛ فهو لم يُدن الشباب، بل أدان المنظومة التي جعلت التفكير العميق رفاهية نادرة.

وفي رسائله المتعددة، كان الحوار يوزع المسؤولية على الجميع دون استثناء.

إلى الشباب قال: لا تسمحوا للتكنولوجيا أن تختصر إنسانيتكم، فالعقل الذي لا يقرأ يذبل، والإنسان الذي لا يكتب يفقد جزءًا من قدرته على فهم ذاته والعالم.

وإلى المؤسسات التعليمية قال: إن التعليم الحقيقي لا يُقاس بعدد الناجحين، بل بعدد القادرين على السؤال والنقد والإبداع.

وإلى الدولة والخطاب الرسمي قال: لا يمكن بناء وعي وطني عبر أدوات التأثير اللحظي وحدها، فالأوطان تُبنى بالثقة والتعليم والصدق لا بالدعاية العابرة.

أما إلى المثقف العربي، فجاءت الرسالة أكثر قسوة: إن النخبة التي تنعزل عن الناس تترك الساحة فارغة أمام السطحية والتفاهة، ثم تتساءل بدهشة عن أسباب صعودهما.

لكن الرسالة الأعمق في هذا الحوار بقيت تلك التي تتعلق بمصير الإنسان نفسه. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست معركة تكنولوجيا، بل معركة وعي. ليست المشكلة في الشاشة، بل في العقل الذي توقف عن طرح الأسئلة.

فالحضارات لا تنهار لأن أدواتها تغيّرت، بل لأنها فقدت قدرتها على إنتاج إنسانٍ يفكر، ويتأمل، ويشك، ويبحث عن المعنى.

وفي نهاية هذا الحوار المدهش، لا يبقى الخوف الحقيقي في أن الناس لم تعد تقرأ أو تكتب، بل في أن تصل إلى مرحلة لا تشعر فيها أصلًا بالحاجة إلى القراءة والكتابة. عندها فقط تبدأ الكارثة الحضارية الحقيقية؛ لأن الأمة التي تفقد شغف المعرفة، تفقد بالتدريج قدرتها على الحرية، ثم قدرتها على الإبداع، ثم قدرتها على صناعة المستقبل.

لقد كان حوار الاستاذ الدكتور عبدالله الزعبي دفاعًا نبيلًا عن الإنسان المفكر؛ الإنسان الذي لا يكتفي بالمشاهدة، بل يريد أن يفهم، وأن يسأل، وأن يكتب أثره في الزمن قبل أن يبتلعه الضجيج.

وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتتناقص فيه المعاني، يظل الكتاب هو المساحة الأخيرة التي يتنفس فيها العقل بحرية ، وتظل الكتابة هي الأثر الوحيد القادر على مقاومة النسيان. ،( مقالي المنشور في عمون بتاريخ ٣١/٥/٢٠٢٦ بعنوان : حين ينتصر الخير .. الإنسان بين الفطرة والرسالات والنهج الهاشمي ) .

فقد تستطيع التكنولوجيا أن تسرق وقت الإنسان، لكن الخطر الأعظم يبدأ حين تسرق قدرته على التفكير .

* المدير العامً - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجيةً

[email protected]





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :