كنت أرجو دائما أن يأتي حزيران وديعا، مبللا بالندى، تتجمع غيومه البيضاء في صحن السماء لتصد عنا سطوة الشمس. كنت أريده شهرا رفيقا يمنح المشمش وقتا أطول على الأغصان، لينضج على مهل، وبدلال امرأة تعرف أنها ملكة في قلب رجلها.
غير أن حزيران نادرا ما يجيء مثلما نشتهي. يأتي في الغالب حارا، وأحيانا قاسيا كأنه في سباق مع الزمن. ولهذا لم يخطئ أجدادنا حين أطلقوا عليه تسمية «طبّاخ المشمش». ففيه تشتد الشمس لتحول الثمار الصغيرة إلى كرات ذهبية تتدلى. وأحيانا تبلغ الحرارة من العجلة ما يجعل المشمش ينضج دفعة واحدة، فلا يترك لأصحابه فرصة للانشغال بغيره، وكأنه يذكرهم أن بعض النعم لا تعرف التدرج، وإنما تشتعل كاملة لتمضي كاملة ايضا.
ولعل هذا ما جعل المشمش يتسلل إلى لغتنا وأمثالنا. فكثيرا ما كنا نؤجل الوعود التي لا نريد الوفاء بها إلى موعد غامض اسمه «في المشمش». وكأننا نعهد بها إلى موسم قصير وسريع الزوال، مطمئنين إلى أن أحدا لن يتذكرها حين يحضر موعدها. فالمشمش نفسه ضيف يعبر على عجل حتى بدا اسمه مرادفا لكل ما يصعب الإمساك به.
وبالطبع من هنا أيضا جاءت فكرة «الجمعة المشمشية»، تلك العبارة التي تختصر زمنا قصيرا من الرخاء أو الفرص أو المكاسب السريعة. غير أن البشر بارعون في تمديد مواسمهم الخاصة. فما يعد أسبوعا مشمشيا في حساب الأيام، لربما يمتد سنة أو سنتين في عرف بعض المسؤولين، وقد يتحول إلى أربعة أعوام كاملة في حساب من يظنون أن الفرصة لا تتكرر، فيسابقون الزمن لاقتناص ما يستطيعون قبل أن ينتهي الموسم.
أما العشاق فلهم حكاية أخرى مع المشمش. أولئك الذين يعيشون على المواعيد المؤجلة، وتكفيهم أحيانا بارقة أمل صغيرة كي يواصلوا الانتظار. يعرفون في أعماقهم أن لكل موسم نهاية، وأن المشمش مهما طال بقاؤه على الأغصان فلا بد أن يرحل. ومع ذلك يواصلون التحديق في الطريق، كأنهم يفاوضون الزمن على مهلة إضافية.
وربما لهذا أحب المشمش أكثر من سواه. ليس لطعمه وحده، وإنما لأنه يذكرنا بحقيقة لا نحب سماعها. فالأشياء الجميلة لا تمكث طويلا. وما إن نعتاد حضورها حتى تبدأ بالابتعاد عنا. حتى العمر نفسه ليس أكثر من موسم مشمشي طويل قليلا، أو جمعة مشمشية اتسعت في ظننا حتى حسبناها دائمة.
الدستور