امتثال القطاع الخاص .. آن أوانه
رامي خريسات
11-06-2026 09:42 AM
عالمياً يعتبر التركيز على نزاهة القطاع العام أمراً محموداً وعالياً كما لدينا، لكن أفضل الممارسات أصبحت تركز على وضع التشريعات الملزمة للقطاع الخاص الكبير ليكون خط الدفاع الأول ضد الفساد، وبشكل يكون فيه الامتثال موحداً، حيث ترك القطاع الخاص دون أطر امتثال يجعل الدولة أكثر اعتماداً على الرقابة اللاحقة بدلاً من الرقابة الاستباقية، وفي ذلك خسائر جسيمة.
قطاعنا الخاص ناهض، وقصص الوصول للعالمية بارزة، وهو موضع فخر أردني، والحفاظ عليه يستوجب الامتثال للنزاهة لجذب الاستثمار والحفاظ على الشراكات والتمويلات الدولية، ومن يتخلف عن ركب الامتثال سيعد متأخر في معيار الاستثمار المؤسسي، وأقل جاذبية للتمويل الدولي.
منظومة النزاهة ستحقق تحوطاً من التغول أو السيادة على القطاع العام بأي شكل من أشكال الفساد، كما ستخفف الأعباء الرقابية حين يصبح القطاع الخاص مسؤولاً عن منظومته الإلزامية للنزاهة كل من قبل شركته.
النماذج الرائدة التي برزت حديثاً جاءت من بريطانيا وفرنسا والبرازيل، بالإضافة إلى توجهات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي تحث على ضرورة تنسيق القوانين عبر الدول لتسهيل الامتثال على الشركات متعددة الجنسيات.
في المملكة المتحدة لا يكتفي القانون بتجريم الرشوة، بل يعتبر الشركات التي لم تضع أنظمة امتثال كافية مسؤولة قانونياً حتى لو كان الفساد قد تم من قِبل موظف واحد.
فرنسا ألزمت الشركات التي لديها أكثر من 500 موظف أو إيرادات تفوق 100 ملايين يورو بإنشاء نظام امتثال إلزامي كامل يتضمن ضوابط محاسبية ونظام عقوبات، وفي البرازيل ذهب المشرّع إلى جعل الشركة مسؤولة عن الفساد بشكل مباشر حتى لو لم تعلم به الإدارة العليا.
القاسم المشترك، هو أن القانون لديهم لا يعاقب فقط من ارتشى بل يعاقب أيضًا الشركة كشخص اعتباري إذا لم تمنع الفساد، والعقوبات صارمة تصل أحياناً إلى 5 % من إيرادات الشركة السنوية. على الجانب الآخر يقدم القانون حافزاً ذكياً؛ إذ تُعفى الشركة أو تُخفف عنها المسؤولية إذا أثبتت اتخاذها لإجراءات جدية ومسبقة لمحاربة الفساد، وفق برنامج امتثال قوي وفعال.
بالإسقاط على واقعنا المحلي تكون الأولوية لشركاتنا المساهمة العامة الأكبر والأكثر تمثيلاً لاقتصادنا الوطني والتي تحتاج لمتطلبات امتثال متخصصة وبما يتناسب مع حجم الشركة وطبيعة نشاطها تحت مظلة هيئتها الرقابية.
النماذج الرائدة تلزم الشركات التي تتجاوز حجم أصولها أو إيراداتها السنوية حدًا معيناً بتطبيق برنامج امتثال ونزاهة لمكافحة الفساد، فيه: رقابة مشددة على العقود والمشتريات، وتقييم سنوي استباقي لمخاطر الفساد، ومدونة سلوك ملزمة، ونظام إبلاغ داخلي مستقل وآمن لحماية المبلغين، وسياسات صارمة لتنظيم الهدايا والضيافة وتعارض المصالح، وبرامج تدريب وتوعية للموظفين، وآليات تدقيق داخلي وخارجي للامتثال؛ والأهم إجراءات تأديبية رادعة للمخالفين. على أن تلتزم هذه الشركات بإصدار تقرير سنوي عن مخاطر الفساد وآليات معالجتها.
الغد