facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




30 دينارًا .. حين تحاول الحكومة إطفاء حريق المعيشة بكوب ماء


الدكتورة ميس حياصات
11-06-2026 12:31 PM

في الوقت الذي يرزح فيه المواطن تحت وطأة الغلاء المتصاعد، وتآكل القدرة الشرائية، وضغط المعيشة اليومي، خرجت الحكومة بقرار إدراج زيادة شهرية مقدارها 30 دينارًا على رواتب الموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين ممن تقل رواتبهم عن 600 دينار شهريًا في موازنة عام 2027، وكأنها تقدم حلًا لأزمة معيشية عميقة باتت تؤرق معظم الأسر.

المشكلة ليست في الزيادة نفسها، بل في الفجوة الهائلة بين حجم الأزمة وحجم الاستجابة. فحين ترتفع تكاليف الحياة بوتيرة متسارعة، لا يمكن إقناع الناس بأن 30 دينارًا تمثل تحولًا حقيقيًا في واقعهم الاقتصادي.

الأخطر من ذلك أن القرار لم يشمل الجميع، بل حُصر بمن تقل رواتبهم عن 600 دينار، وكأن الضغوط المعيشية تُدار بمنطق “خطوط رقمية” لا يعترف بها الواقع أصلًا. فالموظف الذي يتجاوز راتبه هذا السقف بعشرات الدنانير فقط لا يواجه أسعارًا مختلفة، ولا يعيش ظروفًا اقتصادية أفضل بالضرورة، بل يجد نفسه مستبعدًا رغم أن التحديات ذاتها تحاصره.

ولعل المثال الأكثر وضوحًا على ذلك هو الفارق بين موظف يتقاضى 590 دينارًا وآخر يتقاضى 610 دنانير. هذه العشرون دينارًا الإضافية لا تغيّر شيئًا جوهريًا في طبيعة الالتزامات المعيشية لأي منهما، ولا تخفف من أعباء الإيجار أو القروض أو فواتير الخدمات أو متطلبات الأسرة اليومية. ومع ذلك، يحصل أحدهما على الزيادة فيما يُحرم الآخر منها، ما يثير تساؤلات مشروعة حول عدالة هذا المعيار وقدرته على عكس الواقع المعيشي الفعلي للمواطنين.

إن رسم حدود جامدة بين المواطنين على أساس أرقام لا تعكس حقيقة أوضاعهم المعيشية يثير تساؤلات مشروعة حول عدالة القرار وقدرته على تحقيق الأثر المرجو.

أما الغائب الأكبر عن المشهد فهم متقاعدو الضمان الاجتماعي، أولئك الذين أمضوا أعمارهم في العمل والإنتاج، ليجدوا أنفسهم اليوم في مواجهة موجات الغلاء برواتب تقاعدية ثابتة تتآكل قيمتها عامًا بعد عام، دون أي معالجة موازية تعيد الاعتبار لقدرتهم الشرائية.

غير أن الإشكال الأعمق لا يتعلق بتفاصيل القرار وحده، بل بالنهج الذي يقف وراءه. فالتعامل مع أزمة ممتدة عبر إجراءات متفرقة ومحدودة الأثر يعكس فجوة في تقدير حجم الأزمة، ويحوّل السياسات من أدوات معالجة إلى أدوات إدارة أزمة تتسع ببطء.

ويأتي هذا في سياق اقتصادي وإقليمي بالغ التعقيد، حيث تتداخل الضغوط الداخلية مع تقلبات الإقليم وأسعار الطاقة والتباطؤ العالمي، ما يجعل إدارة الملف المعيشي أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

ورغم الطابع التخفيفي لهذه الزيادات، يبقى أثرها محدودًا مع استمرار ارتفاع كلف المعيشة والخدمات، ما يؤدي إلى تآكل جزء من أثرها الفعلي بمرور الوقت. وبينما تُقدَّم هذه الإجراءات بوصفها تحسينًا مباشرًا للدخل، فإن قدرتها على الصمود أمام ديناميكيات الأسعار تبقى محدودة، الأمر الذي يجعل أثرها الحقيقي أقل من أثرها المعلن.

في المقابل، لم يعد المواطن يتعامل مع هذه القرارات بوصفها تحسنًا في الدخل، بقدر ما يقرأها ضمن سياق أوسع من التراجع المستمر في القدرة على العيش، وهو ما يعكس تحولًا في الوعي الاقتصادي اليومي من انتظار التحسن إلى مراقبة التآكل.

لقد أصبحت المعيشة اختبارًا يوميًا بين الدخل والإنفاق، بينما تستمر السياسات في التحرك ضمن هامش محدود لا يواكب سرعة تغير الواقع الاقتصادي. وهنا تتسع الفجوة بين ما يُتخذ من قرارات وما يُعاش فعليًا على الأرض.

إن استمرار هذا النهج لا يضعف أثر القرارات فحسب، بل ينعكس أيضًا على مستوى الثقة بقدرتها على معالجة جذور الأزمة، في ظل شعور متزايد بأن الحلول ما تزال تُدار ضمن إطار جزئي لا يطال أصل الاختلال.

وفي هذا السياق، يعبّر حزب المحافظين الأردني عن موقفه وانحيازه أولًا وأخيرًا للمواطن الأردني وحقه في العيش الكريم وصون كرامته المعيشية، انطلاقًا من أن معيار السياسة الاقتصادية لا يُقاس بلغة الأرقام بقدر ما يُقاس بأثرها الفعلي على حياة الناس. ويرى الحزب أن الإشكال لا يكمن في الزيادات ذاتها، بل في النهج المتبع في إدارة السياسات الاقتصادية والمعيشية، والذي ما يزال يعتمد على المعالجات الجزئية بدل الحلول البنيوية القادرة على تحقيق توازن حقيقي بين الدخل وكلفة المعيشة.

وفي جوهر الصورة، لا تبدو الثلاثون دينارًا سوى تفصيل صغير في أزمة اقتصادية أكبر وأعقد بكثير. فالمشكلة ليست في الرقم ذاته، بل في الفلسفة التي تتعامل مع أزمة معيشية متسعة بأدوات محدودة الأثر. وحين تبقى الأدوات أصغر من حجم التحديات، تتحول السياسات الاقتصادية من مسار إصلاح إلى إدارة مستمرة لأزمة لا تتوقف عن الاتساع.

وما يزيد المشهد تعقيدًا أن المواطن لم يعد يقارن بين راتبه اليوم وراتبه بالأمس، بل بين دخله ومتطلبات حياة تزداد كلفة عامًا بعد عام. وهنا تتكشف المعضلة الحقيقية: فجوة تتسع بين ما تكسبه الأسر وما تحتاجه للعيش بكرامة، فيما تبقى المعالجات أقل من أن تعيد التوازن المفقود.

لذلك، فإن القضية لا تتعلق بثلاثين دينارًا أكثر أو أقل، بل بالسؤال الذي يفرض نفسه مع كل قرار مشابه: إلى متى ستبقى أزمة المعيشة تُدار بإجراءات جزئية بينما تكبر أسبابها بوتيرة أسرع من حلولها؟ فحين تصبح الفجوة بين الدخل وكلفة المعيشة هي الحقيقة الأكثر حضورًا في المشهد، لا يعود المواطن يبحث عن زيادة جديدة بقدر ما يبحث عن سياسة اقتصادية قادرة على استعادة التوازن بين الدخل وكلفة المعيشة. فهل المطلوب أن نحتفل بالزيادة، أم أن نتساءل كيف تحوّلت معالجة أزمة معيشية عميقة إلى مجرد محاولة لإطفاء حريق المعيشة بكوب ماء؟

* عضو المكتب السياسي في حزب المحافظين الأردني





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :