صوتُ عمّان يقبع خلف قلب "أمّ فرح"
سماح موسى
11-06-2026 01:14 PM
خفت صوت المدينة هذا المساء، ارتداده يحيلني إلى السكوت، تعيش عمّان هدوءا لم تعتده. مشيتُ في شارع الرينبو، أيُّ الأصوات يمكن أن تنحو بصاحبها إلى البقاء، أيُّ الأمنيات تشرع في مدّ الجسور! ثمة امرأة مسنة تجلس في زاوية الرصيف، أمامها بضع مناديل ومكسرات. من أيّ منفذ تسمع المدينة، ففي روحها ابتسامة لم تمتها تجاعيد الحزن.
اقتربتُ منها؛ لأفهم عمّان عبر قلبها، ففاضت بحشرجاتها، كنتُ ألمح في يديها استغاثة كتومة، تشبه المارّين وهم يطأطئون رؤوسهم ثمّ يضحكون، وبطريقة ما، يختفون في جبّ الشوارع. قالت إنّ ابنها مصاب بالسرطان، عبّرت عن مخاوفها، ولهجت بدعواتها، تترقّب خروجه من عملية جراحية، ليست الأولى أو الأخيرة. قالت "أم فرح" إنّ الحياة دار عبور، ولا بدّ من هذه الآلام. لخّصت حكايتها بضحكة، روتها كمن يستسلم للألم، ويلوّح لفراق لا يرحل.
ــ "يا بنتي، أنا والله كلّ يوم باجي من منطقة بتبعد ساعة عن جبل عمّان لأبيع هالأغراض".
ـــ "تتعبين"؟
ـــ "والله بتعب كثير، بس شو بدي أسوي. هيهن إيدي، قلي الدكتور آخر مرّة مالهن علاج".
اشتريتُ المكسّرات وسط دعواتها، كان صوت عمّان آنذاك يرتفع شيئا فشيئا، كمن يرتّب موعدا للبوح، ويحنو على الغيم الأسود.
ـــ "لا تنسي يا بنتي تدعي لابني، والله ما بدي من هالحياة غير إنه يعيش".
سجّلت الأرصفة نداءها، وحديثها عن الاستعداد للموت، لكن في الأيام التي لم أرها فيها، كان المقهى يغنّي بحزن، والدرج التراثي الذي يأخذ طريقه لوسط المدينة، خافت الألوان. مرّ شهرٌ صامت، سألتُ عنها باضطراب، فقيل لي إنّها تحضر لمدّة قصيرة في النهار، تنفّستُ وشجرة تستقبل الربيع. مع هذا، ما زال الدرج يحمل الخفوت، تتزاحم الأصوات بعد تجاوزه، تعلو الضجّة، أقف في المنتصف، يضيء وجه "أم فرح"، نداؤها، سعيها، دعواتها. كأنّ في المدينة تاريخٌ يدعو للرجاء، كخطوط محفورة في أكفّ العاملين، ونحيب لشابٍ لم يسأل عن سرّه أحد، كطيور تغنّي فوق البنايات، ومصوّر يلتقط اللحظة، كأنت حين تستذكر الأشياء الأولى، وتفسّر الآلام التي داهمت بحثك عن الفرح، كشعور يشبه اللاشيء لكنّه يحرق.
في أحد المساءات، فيما أطأ الرصيف شاردة، استوقفتني "أم فرح" ، فهبّ صوتي:
ــ "خالتو، كيفك! قلقت عليك والله زمان عنك"
كانت "أم فرح" تمسح الحزن عن عينيها بابتسامة، وتجيب:
ــ "والله أنتِ يلي زمان عنك يمة، كنت في المشفى بتعالج شهرين، وهيني جديد طلعت"
أحذنا وقتها الحديث، لم أعي للدقائق كيف مرّت، أو كيف تماوجت مع الضوء، لقد خفتت في يد "أم فرح"، فلم يكن له سلطة على رجفاتها التي سكنت كفّها، وباطن قلبها المجعّد.
ــ "بوجع يا بنتي"..
ــ "وين؟"
ــ "هون في القلب، قلبي بوجع ما بقدر أحكيلك كم شبكية حاطة..والله يا بنتي تعبتني هالحياة"..
تُخرج مجموعة من الأدوية، تقبّل كفّ يدها وتفرده للسماء وتقول: "الحمد لله، الحمد لله ..بكفي إني صابرة ..هذا كبير عند الله يمة"..
عانقني شعاعٌ انسلّ من وجهها الأبيض، كانت تفاصيل سنينها تتوسّد الطريق: ماضيها الزوجيّ، أبناؤها، هاجسها من الوحدة، عملها القديم الذي خسرته إثر عملية جراحية. آلامها التي تتناساها بعمل تقتات منه عيشًا، ونفحا للشعور. التقطتُ لها صورة ووعدتها بنشر قصتها، أخبرتها أنّ للجميع حكاية تستحق أن تُروى، وأنتِ حكاية يجب أن تدرّس. تركتها تكمل ارتشاف شايها، راقبتُ الشارع وهو يدبّ بالحياة، سلام العابرين، ضحكاتهم، آمالهم وهم يطلبون منها الدعوات. قطعتُ دربا طويلا في الظلمة، أفكّر مع ارتداد أذان العشاء من مسجد "الصفدي" : هل صوت عمّان يقبع خلف هذه القلوب المتعبة!