facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يسرق الفلاش ذاكرة الحصاد


الدكتور عادل الوهادنة
11-06-2026 06:31 PM

الحديث عن امتداد الفكرة، وامتداد الفعل الصحي والاقتصادي والاجتماعي عبر الأزمنة والأجيال، ليس ترفًا فكريًا، بل علامة من علامات نضج الإنسان والمؤسسة والدولة والبيت. وهو في جوهره سنة الخلق نفسها؛ علقة فمضغة ثم إنسان يدب في الحياة، لا يولد مكتملاً، ولا يبدأ من الفراغ.

ولعل من أكثر ما نفتقده في عالمنا العربي القدرة على الاعتراف بتسلسل البناء. فكل إنجاز دنيوي بدأ بخطوة، وكل فكرة حملها إنسان ثم أضاف إليها آخرون، وكل نجاح عبر من يد إلى يد كما تعبر شعلة سباق التتابع بين العدّائين.

لكن بعض الروايات تُكتب وكأن الزمن بدأ صباح يوم واحد، وكأن التاريخ صفحة بيضاء لم يمسسها أحد من قبل، وكأن الأوطان لم تعرف رجالًا ونساءً عملوا وصبروا وأخطأوا وأصابوا قبل أن يصل المشهد إلى ما هو عليه اليوم.

ولهذا يشعر كثير ممن تربوا على الثقة بالنفس واحترام التسلسل الطبيعي للأحداث بشيء من الحرج حين يسمعون بعض الخطابات التي تُسقط البدايات، أو تتجاوز المحطات، أو تتعامل مع الذاكرة وكأنها عبء لا قيمة له. فيغلقون الصفحة، ويشيحون بوجوههم عن الحديث، ليس اعتراضًا على الحاضر، بل احترامًا للحقيقة.

ويزداد المشهد غرابة حين يلتقي الإعلام الساذج بالمسؤول المتعطش للصورة؛ صورة إضافية، وابتسامة صفراء أخرى أمام العدسات، بينما يعلم في أعماقه قبل غيره أن القمح لم ينبت لأن أحدهم ابتسم، ولا لأن أحدهم وقف أمام الكاميرا، بل لأن مطر السماء نزل بإذن الله، ولأن أيادي كثيرة حرثت الأرض، وزرعت البذور، وانتظرت المواسم، وتحملت الجفاف قبل أن يأتي أوان الحصاد.

فلا عيب في مسؤول يتحدث عن إنجاز تحقق في زمنه، ولا في مؤسسة تفتخر بما وصلت إليه، لكن العيب أن يُنسى الطريق الذي أوصل إلى ذلك المكان، وأن تُمحى آثار الأقدام التي عبرت قبله.

فالضوء لا يظهر فجأة، بل تشترك في صنعه شموع كثيرة، بعضها يذوب قبل أن يراه أحد. والأنهار لا تبدأ عند المصب، والسنابل لا تبدأ عند موسم الحصاد، والتاريخ لا يبدأ عند أول مؤتمر صحفي ولا عند أول صورة تُنشر على عجل.

ورحم الله الحسين العظيم، وأطال الله بعمر سيدنا، وحفظ سنده الأمين. ما سمعناهم يومًا يتحدثون بلغة “أنا” بقدر ما سمعناهم يتحدثون بلغة “نحن”. ولم يكن ذلك تواضع الكلمات فقط، بل ثقة من يعرف أن البناء رحلة طويلة، وأن الأوطان لا يصنعها فرد، ولا جيل، ولا لحظة عابرة.

سلام على الواثقين الذين بدأوا مع خير هذا البلد، وسلام على الذين أكملوا المسير، وسلام على الذين سيأتون بعدهم. فما زلنا على ذكرى كثيرين شاهدين، وما زالت للأثر الصادق “وما زالت للأثر الصادق ذاكرة لا تمحوها الأيام."





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :