عيد الجلوس .. ربع قرن من "سردية الصمود" في وجه العواصف
الدكتور عزمي حجرات
11-06-2026 06:48 PM
في ذكرى عيد الجلوس الملكي، لا نستحضر التاريخ مجرد محطات احتفالية، بل نقف أمام "تجربة دولة" خاضت في ربع القرن الأخير اختبارات جيوسياسية واقتصادية لم تعرف لها مثيلاً. إنها لحظة تستوجب التوقف أمام "السردية الأردنية"؛ ليس كخطابٍ رسمي، بل كقصة كفاحٍ وطني حقيقي تشارك في كتابتها القيادة والمواطن معاً.
لقد ورث جلالة الملك عبد الله الثاني أمانة الحكم في ظروف إقليمية شديدة التعقيد، لكنه راهن منذ اللحظة الأولى على خيارٍ صعب ومستدام: الرهان على العقل بدلاً من الثروة. في الوقت الذي كان فيه محيطنا يغرق في فوضى النفط والحروب، اختار الأردن طريق الاستثمار في "الإنسان"؛ فصار التعليم بترولنا البديل، وصارت الكفاءة الأردنية سفيرنا العابر للحدود.
إن المتأمل في مسيرة العقدين الماضيين يجد أن الأردن لم يكتفِ بدور "الصامد" الذي ينتظر مرور العواصف، بل تحوّل بذكاء سياسي إلى "عنصر استقرار" إقليمي ومحرك للاعتدال. لقد كانت (رسالة عمان) و(الوصاية الهاشمية على المقدسات) صمام الأمان الذي حافظ على جوهر الهوية، بينما كانت (منظومة التحديث السياسي) و(رؤية التحديث الاقتصادي 2033) هي الأدوات العملية التي ننقل بها الدولة من مربع "البقاء" إلى مربع "الازدهار والمنافسة".
صحيح أننا واجهنا —ولا نزال— تحديات بنيوية؛ فالمديونية التي فرضتها أزمات الإقليم واللجوء، والبطالة التي تستنزف طاقات شبابنا، وشح المياه الذي يهدد أمننا، هي حقائق لا نهرب منها بل نواجهها بالاعتراف والحل. إن أعظم ما يميز سرديتنا الوطنية اليوم هو أنها "سردية مكاشفة"؛ لا تغتر بإنجازٍ، ولا تيأس من عثرة.
اليوم، ونحن نحتفل بذكرى الجلوس، لا بد أن نلتفت إلى بناة الوطن الصامتين؛ أولئك الذين آمنوا بأن الأردن —رغم كل التحديات— هو الكيان الأكثر مؤسسية والأكثر قدرة على تصحيح مساراته. إن أمانة المسؤولية الوطنية تقتضي منا أن نكتب قصة الأردن بأقلامنا، لا أن نتركها لتقارير الآخرين التي طالما تنبأت بالفشل، فخيبنا ظنونهم جميعاً.
في عيد الجلوس، نجدد العهد بأن تظل "السردية الأردنية" منارة للحقيقة؛ سرديةً تعترف بالجراح، وتفخر بالإنجاز، وتطمح للمستقبل. فالأردن ليس مجرد وطنٍ نسكنه، بل هو "قصة" من لا يملك إلا إرادته وقدرته على الابتكار ليقول للعالم: نحن هنا، باقون، ومستمرون في البناء.