التخصصات الجديدة في الجامعات والكليات .. هل تواكب السوق أم تسبق الجاهزية؟
أ.د. مصطفى محمد عيروط
11-06-2026 07:22 PM
الأخبار المتتابعة عن موافقات فتح تخصصات جديدة في الجامعات والكليات الجامعية والكليات التقنية تثير التفاؤل من جهة، والتساؤل من جهة أخرى. فالجميع يتفق على أهمية مواكبة متطلبات سوق العمل الوطني والإقليمي والعالمي، وعلى ضرورة تطوير البرامج الأكاديمية بما ينسجم مع الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والمهن المستقبلية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تتوافر لكل تخصص جديد المقومات الأكاديمية والفنية اللازمة لنجاحه؟
عندما نقرأ أسماء تخصصات حديثة ومتنوعة، يتبادر إلى الذهن تساؤل مشروع: هل يوجد أعضاء هيئة تدريس متخصصون في هذه المجالات الجديدة؟ أم أن بعض هذه التخصصات تعتمد على إعادة تسمية برامج قائمة مع الاستعانة بأعضاء هيئة تدريس من تخصصات قريبة؟ وهل تم توفير المختبرات والتجهيزات والبنية التحتية اللازمة للتدريس والتدريب العملي؟
إن نجاح أي تخصص جديد لا يقاس فقط بالموافقة على استحداثه، بل بمدى جاهزية المؤسسة التعليمية لتقديمه وفق أعلى معايير الجودة. فالتخصصات المهنية والتطبيقية على وجه الخصوص تحتاج إلى أعضاء هيئة تدريس مؤهلين ومتخصصين وخبرات ، وإلى مختبرات وورش عمل وتجهيزات حديثة، وإلى شراكات حقيقية مع القطاع الخاص تضمن التدريب والتشغيل.
ومن هنا تبرز أهمية أن تسبق الموافقة على أي تخصص أو كليه أو دراسات عليا دراسات معمقة لحاجات سوق العمل، تتضمن نسب التشغيل المتوقعة، والفرص المتاحة للخريجين، وحجم الطلب المحلي والإقليمي والعالمي على التخصص. فليس الهدف فتح تخصصات جديدة فقط ونشرها إعلاميا ، بل تخريج طلبة قادرين على الحصول على فرص عمل حقيقية داخليا وخارجيا والمساهمة في التنمية الاقتصادية.
لقد عانت بعض الأماكن في العالم من ظاهرة التوسع في تخصصات أكاديمية دون دراسة كافية لاحتياجات السوق، فكانت النتيجة زيادة أعداد الخريجين في تخصصات تعاني أصلاً من التشبع، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب.
لذلك فإن ربط استحداث التخصصات بمؤشرات التشغيل يجب أن يكون أولوية وطنية.وتقييم الإدارات الجامعيه والكليات والأقسام
كما أن الاعتماد الخاص لأي تخصص يجب أن يبقى الضمانة الأساسية للجودة، بحيث لا يتم اعتماد أي برنامج إلا بعد التأكد من توافر أعضاء هيئة تدريس متخصصين، وخطط دراسية حديثة، ومرافق وتجهيزات مناسبة، وقدرة حقيقية على تنفيذ البرنامج وفق المعايير المطلوبة.
ومن هنا فإن الدور الكبير يقع على الجامعات والكليات وهيئة الاعتماد ومجلس التربية والتعليم لضمان أن تكون التخصصات الجديدة إضافة نوعية للتعليم العالي، لا مجرد إضافة رقمية إلى قائمة البرامج الأكاديمية.
إن التوسع في التخصصات الجديدة خطوة إيجابية ومطلوبة، لكن الأهم أن يكون هذا التوسع مبنياً على الجودة والكفاءة وحاجات السوق ونسب التشغيل، حتى لا تتحول بعض التخصصات مستقبلاً إلى بوابات جديدة للبطالة بدلاً من أن تكون جسوراً نحو العمل والإنتاج والتنمية.