facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الذكاء الاصطناعي خبطنا بالحيط


د. صالح سليم الحموري
12-06-2026 12:18 AM

كنا نظن أننا نقود التكنولوجيا... ثم اكتشفنا، متأخرين قليلًا، أنها بدأت تقودنا.

على مدار عقود، كان التقدم التقني يسير بخطوات يمكن للعقل البشري استيعابها. يظهر اختراع جديد، فنناقشه، ونختبره، ونضع له الأنظمة والتشريعات، ثم ننتقل إلى المرحلة التالية. أما اليوم، فالأمر مختلف تمامًا. لم تعد التكنولوجيا تسير أمامنا بخطوة أو خطوتين، بل أصبحت تركض وتقفز مثل الكنغر بسرعة هائلة بينما نحاول نحن اللحاق بها.

خلال سنوات قليلة فقط، انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه موضوعًا للنقاش في المؤتمرات والمختبرات إلى شريك يومي في الكتابة والتحليل والبرمجة والتصميم واتخاذ القرار. وما كان يحتاج إلى فريق كامل من الخبراء أصبح يُنجز خلال دقائق. وما كان يتطلب أسابيع من البحث بات يُختصر في ثوانٍ.
في البداية احتفلنا.
ثم انبهرنا.
ثم بدأنا نشعر بشيء من القلق.
واليوم، بدأ كثيرون يطرحون السؤال الذي كنا نتجنب طرحه: هل ما يحدث ما زال تحت السيطرة؟
لقد "خبطنا بالحيط".

ليس لأن الذكاء الاصطناعي فشل، بل لأنه نجح أكثر مما توقعنا.

نجح إلى درجة أن المؤسسات بدأت تعيد التفكير في هيكلها الوظيفي. ونجح إلى درجة أن بعض المهارات التي قضى الناس سنوات طويلة في تعلمها أصبحت تُنجز بضغطة زر. ونجح إلى درجة أن الحدود الفاصلة بين ما يصنعه الإنسان وما تنتجه الآلة أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى.

المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في الفجوة المتزايدة بين سرعة التقدم وسرعة استعدادنا له.
فالتشريعات ما زالت تتحرك بعقلية الأمس.
وأنظمة التعليم ما زالت تُخرّج طلبة لوظائف قد لا تكون موجودة بعد سنوات قليلة.
وكثير من المؤسسات ما زالت تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كمشروع تقني محدود، بينما هو في الحقيقة "تحول حضاري" يعيد تشكيل الاقتصاد والعمل والتعليم والإدارة وحتى العلاقات الإنسانية.

لقد أصبحنا نمتلك قدرة غير مسبوقة على إنتاج المحتوى، لكننا لم نطوّر بالقدر نفسه قدرتنا على التمييز بين الحقيقة والوهم.

وأصبحنا قادرين على تحليل كميات هائلة من البيانات، لكننا لم نتعلم بعد كيف نحافظ على إنسانيتنا وسط هذا السيل من الخوارزميات.

وأصبحنا نؤتمت العمليات بسرعة مذهلة، لكننا بدأنا نقترب من منطقة خطرة: أتمتة التفكير نفسه.
وهنا يظهر الحائط الحقيقي.

فليس كل ما يمكن للآلة فعله يجب أن نسمح لها بفعله.

هناك مساحات ستبقى إنسانية بطبيعتها: الحكمة، والضمير، والرحمة، وتحمل المسؤولية، وفهم السياق، وصناعة المعنى.

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقترح القرار، لكنه لا يتحمل تبعاته.
يستطيع أن يحلل الماضي، لكنه لا يحلم بالمستقبل.
يستطيع أن يحسب الاحتمالات، لكنه لا يعرف قيمة الإنسان.
ولهذا فإن التحدي الأكبر في السنوات القادمة لن يكون تطوير الذكاء الاصطناعي، بل تطوير الإنسان نفسه.
سنحتاج إلى مهارات جديدة، وعقول أكثر مرونة، ومؤسسات أكثر رشاقة، وتشريعات أكثر سرعة، وقادة يفهمون أن المستقبل لم يعد ينتظر أحدًا.
لقد خبطنا بالحيط بالفعل.
لكن ربما تكون هذه الصدمة ضرورية.
فالحائط ليس نهاية الطريق دائمًا.
أحيانًا يكون رسالة.
لقد حان الوقت لنتوقف قليلًا.
لا لكي نخاف من المستقبل،
بل لكي نفهمه.
أن نعيد تعريف دور الإنسان في عصر الآلة.
وأن نتذكر حقيقة بسيطة جدًا:
ليست المشكلة أن تصبح الآلات أكثر ذكاءً،
بل أن يبقى الإنسان في مكانه،
بينما العالم كله يتحرك من حوله.
وكما يقول البروفيسور يوسف العساف:
أنا لا أخاف من تقدّم الذكاء الاصطناعي،
أنا أخاف من الإنسان الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :