مع انطلاقة مونديال 2026 تعود بي الذاكرة إلى 32 عاما مضت من عمري ومن عمر المونديال، إلى مونديال أمريكا 94، ذلك الحدث العالمي الاستثنائي الذي كان أول عهدي وشغفي بالمونديال.
كنتُ "متحمسا" لذلك المونديال وجمعِ صور منتخباته وأبرز نجومه، وما زاد شغفي له، هو تواجد منتخبين عربيين فيه، الأول هو الأخضر السعودي للمرة الأولى في تاريخه.. والثاني أسود الأطلس المغرب للمرة الثالثة في تاريخهم.
في ذلك العام، كنت "فضوليا" في تقليب ذاكرة من يكبرني بالسؤال عن الدول العربية التي " سبق لها وأن وصلت لكأس العالم"، نهماً في تصفح ما يقع بين يدي من مجلات رياضية عربية وملاحق لصحف أردنية تتناول سيرة المونديال ومسيرته.
في ذلك الوقت، كنتُ دائم الاستغراب والتساؤل بفطرةِ الطفلِ الذي لم يتجاوز الـ 12 عاما من عمره، "متى نصلُ كأس العالم؟"، متى يكونُ "علمُنا وصورة منتخبنا" بين هذه الأعلام والصور، فيأتي الجواب المُعقد بتفاصيلهِ "الوصول لكأس العالم صعب ومش سهل"!.
وتمضي الأيام والسنون، ومعها قطارُ عمري موازيا "لعمر المونديال"، فيطلُ مونديال فرنسا 98 ومن بعده مونديال كوريا واليابان لأول مرة في آسيا عام 2002، ثم مونديال ألمانيا 2006 "مونديال العام الذي تخرجتُ فيه من الجامعة" ثم مونديال جنوب إفريقيا 2010 "مونديال العام الذي عُينتُ فيه بجامعة اليرموك" ثم مونديال البرازيل 2014 ثم مونديال روسيا 2018 ثم مونديال العرب في قطر 2022، حتى وصلنا إلى مونديال أمريكا وكندا والمكسيك 2026.
في هذا المونديال، أجدُ لنفسي المساحة اللغوية الكافية لتسميته بـ "مونديالي".. نعم مونديال وطني، الذي تحقق فيه حُلم ذلك الطفل الذي كان يرى بالوصول إلى كأس العالم، هو أشبهُ بغيمةٍ صعبةِ اللمس والمنال، إلى واقعٍ أعيشهُ "اليوم بعد 32 عاما.. ومعي زوجتي بنان وطفلاي سلمى وعبود" فلم يعد ذلك حلما أُطارده، بل شغفا سأعيشه مع أطفالي، ومشهدا ستسجله إن سمحت لهم ذاكرتهم، ليحكوه مستقبلا "لأصحابهم وأبناء صفهم".
بالنسبة لي، ولأبناء جيلي وكل أبناء وطني، هذا حُلمٌ حققهُ لنا الهاشميون، فقد اهتم الملك الباني الراحل الحسين بن طلال – طيب الله ثراه- وصولا إلى الملك المعزز عبد الله الثاني- أعز الله ملكه- إلى سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني – حفظ الله له عمره وشبابه- إلى سمو الأمير علي بن الحسين – رعاه الله-، بالرياضة والكرة الأردنية، وكانوا وما يزالون "نهرا متدفقا" في الرعاية والدعم، وربيعا دائما يغرسُ العزيمة والأمل في صدور "النشامى" من اللاعبين والمدربين والإداريين، ويشحذُ الهمم ويحثُ الخطى في صقل المواهب وتعظيم المنجزات.
وعليه، لا نخفى حقيقة كروية أردنية، يُجمع عليها أهلُ العِلم والخبرة والدراية الرياضية، أنه كان للرؤيةِ الهاشمية الحكمية في تأسيس وإعادة إطلاق مراكز الأمير علي للواعدين في العاصمة عمّان والمحافظات، بتوجيهٍ سامٍ من لدنٍ سمو ولي العهد، بُعدا كرويا استراتيجيا مباشرا في تطوير منظومة كرة القدم الأردنية، وبناء المنتخبات الوطنية على مدى السنوات الماضية، والتي تجلى أثرُها وجوهرُ فلسفتها في هذه الكوكبة من اللاعبين التي شكلت وبنت منتخب المونديال للعام 2026، ومن قبله منتخب مونديال الشباب عام 2007.
إن هذا الحضور الهاشمي السامي في الشأن الكروي، أوجد لدى اللاعبين "طاقة" وروحا معنوية عالية، قلصت الفوارق الفنية والبدنية بينهم وبين لاعبي المنتخبات المنافسة، حتى تحقق حُلمي وبات بعد كل هذه السنين، واقعا مُعاشا وتفاصيل أرويها بفخرٍ عبر هذه السطور لمن يقرأُها.