facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العالم في ملعبٍ واحد


أ.د وفاء عوني الخضراء
12-06-2026 04:38 PM

مساء أمس، ومن ملعب الأزتيكا العريق في مكسيكو سيتي، انطلقت أكبر نسخة في تاريخ كأس العالم: ثمانيةٌ وأربعون منتخباً، وثلاث دول مضيفة، ومئة وأربع مباريات تتوزع على ست عشرة مدينة. وعلى المدرّجات وفي الساحات وأمام الشاشات، اجتمعت البشرية، بأعراقها ولغاتها وأعلامها، في فضاءٍ واحد حول سؤالٍ يوقظ الخيال السياسي والإنساني معاً: كيف يستطيع العالم أن يكون متعدداً إلى هذا الحد، وموحّداً بالفرح إلى هذا الحد؟
تحتفل البشرية معاً، وتغنّي معاً، وتترقّب معاً.

أكان حفل الافتتاح مجرّد عرضٍ فني، أم سؤالاً حضارياً واسعاً عن قدرة الجمال على جمع ما تفرّقه السياسة؟ ماذا يحدث حين تلتقي الفنون الشعبية المكسيكية الأصيلة بإيقاعات إفريقيا وأمريكا اللاتينية، بوصفها فن وذاكرة تمشي على المسرح وأصواتاً تعلن حقها في الحضور؟ وكيف يتحوّل العلم، حين يرفعه كل بلد إلى علامة كرامة وانتماء، ومن رمزٍ وطني إلى هدية جمالية للعالم؟ ثم ماذا تقول لنا التقنية والذكاء الاصطناعي حين يحضران في خدمة الدهشة الإنسانية، ويصبحان امتداداً للخيال لا بديلاً عنه؟

لعلّ السؤال الأعمق هو: متى نتعلّم أن التنوع، حين يُصان بالاحترام والتكافل، يصبح لغة بهجة مشتركة ومصدراً لا ينضب للمعنى والجمال والتوافق؟

هنا يقدّم عالم الكرة استعارةً مضيئة لما يمكن أن يتأمله العالم السياسي في معنى العدالة والتعدد والتنافس المنضبط: لعلّ أجمل ما يكشفه المستطيل الأخضر أنّ التعددية تحتاج إلى بنية أخلاقية كي تزدهر، وأن "الكونية الإنسانية"، حين تستند إلى قواعد عادلة تصبح مجالاً رحباً للاعتراف المتبادل والعيش المشترك لا ساحةً لتنازع الهويات. ففي كرة القدم، يلتقي العالم بكل اختلافاته داخل قانونٍ واحد، وتحكيمٍ يسعى إلى الإنصاف، ومنافسةٍ تمنح الجدارة حقها في الظهور. وحين تقع الهفوات، كما يحدث في كل فعلٍ إنساني، تمتلك المنظومة شجاعة المراجعة والتصحيح عبر التقنية، ولجان الانضباط، ومحكمة التحكيم الرياضي. هنا يصبح الخلاف جزءاً من اللعبة، وتصبح المؤسسة وسيلةً لتهذيب التنافس، ويغدو القانون لغةً مشتركة تحفظ للفرح عدالته، وللاختلاف كرامته، وللفوز معناه النبيل.

ومن هنا يتجلّى المعنى الأرقى للكونية الإنسانية: أن تلتقي الثقافات من غير أن تذوب، وأن تتنافس الأمم من غير أن تفترس، وأن يقدّم كل شعبٍ أفضل ما لديه ضمن مجالٍ تحكمه العدالة وتوسّعه الكرامة.

هكذا لا يرتفع الفائز وحده؛ يرتفع معنى الفوز نفسه. ولا يزدهر الأقوى بوصفه الأقوى، بل يزدهر العالم حين يصبح نجاح كل أمة إضافةً إلى الثراء الإنساني، وحين تتحول المنافسة من صراعٍ على المكان إلى ارتقاءٍ مشترك في أفقٍ أكثر اتساعاً وإنصافاً وجمالاً.

إن عالمنا اليوم، بسياساته المستقطِبة، وحروبه على الموارد الطبيعية أينما وُجدت، ومنطق البقاء للأقوى الذي يحكم علاقاته، أحوجُ ما يكون إلى هذا الدرس. نحتاج إلى مشهدٍ سياسي تحكمه القيم والفكر والإبداع والابتكار، لا التسليح والعسكرة والاستقطاب.

يحتاج العالم إلى التكافل أكثر من هيمنة رأسمال، وإلى الرعاية والتضامن أكثر من الاستقطاب، وإلى تمكين بعضنا بعضاً أكثر من الاستئثار الأحادي بالموارد والمقدّرات. نحتاج إلى الحكمة وإلى العِشرة الإنسانية الطيبة التي لمحنا ملامحها أمس في مدرجات الأزتيكا، حيث تحوّل اختلاف الأعلام إلى لوحةٍ من الثراء والجمال، وإلى لغةٍ مشتركة للاعتراف المتبادل والفرح الإنساني.

إن كرة القدم لن تحل مشكلات العالم، لكنها قدّمت لنا ليلة أمس نموذجاً مصغّراً لما يمكن أن يكونه هذا العالم: فإذا استطاعت لعبةٌ أن تجمع مليارات القلوب على هذا النحو من الفرح المشترك، فما الذي يمنع السياسة، لو صدقت النوايا وسادت الحكمة، أن تفعل مثلها؟

العالم لا يُقاد بالهيمنة والإستقطاب، يُبنى بالحكمة والتكافل والعِشْرَةِ.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :