facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تختلط الليبرالية بالنيوليبرالية في القاموس الاقتصادي الأردني


فيصل تايه
13-06-2026 09:33 AM

​أعاد دولة رئيس الوزراء السابق الدكتور عمر الرزاز طرح مسألة التمييز بين الليبرالية والنيوليبرالية إلى واجهة النقاش الاقتصادي في الأردن، في سياق يعكس اتساع الفجوة بين الدقة المفاهيمية من جهة، وطريقة تداول المصطلحات في الخطاب العام والسياسي من جهة أخرى.

ففي الاستخدام الشائع، تتداخل هذه المفاهيم إلى درجة تُفقدها حدودها النظرية، بحيث يُعامل المصطلحان وكأنهما مترادفان، رغم أن الأدبيات الاقتصادية تضع بينهما خطوطاً فاصلة تتصل بطبيعة دور الدولة، وحدود السوق، وأدوات إدارة الاقتصاد.

​فالليبرالية الاقتصادية، في صيغتها الكلاسيكية، تقوم على مركزية آليات السوق في تخصيص الموارد، مع الاعتراف الحتمي بدور الدولة كمنظم وحَكَم، وضامن لحماية المنافسة ومنع الاحتكار، وتوفير السلع والخدمات العامة الأساسية كالتعليم والصحة.

أما النيوليبرالية، في تجلياتها الحديثة، فقد اتجهت إلى توسيع نطاق السوق في مجالات كانت تقليدياً ضمن الوظائف السيادية للدولة، عبر الخصخصة، وتحرير الأسواق، وإعادة هيكلة القطاع العام، وتقليص الإنفاق الاجتماعي.

غير أن أهمية هذا التمييز لا تتوقف عند حدود التعريفات النظرية، بل تتجلى بصورة أوضح عند إسقاطه على التجربة الأردنية، حيث انتقلت هذه المفاهيم من الأدبيات الاقتصادية إلى الفضاء العام وأصبحت جزءاً من النقاش السياسي والاجتماعي اليومي.

​غير أن الإشكال في السياق الأردني لا يتعلق بالدقة النظرية وحدها، بل بكيفية انتقال هذه المفاهيم إلى الفضاء العام. فبالنسبة لكثير من المواطنين، لم تعد النيوليبرالية مفهوماً مجرداً، بل تحولت في الوجدان الشعبي إلى دلالة مباشرة على تراجع "الدولة الرعوية" لصالح نمط "التحصيل الضريبي"، وارتبطت في الذاكرة المعيشية بسياسات الخصخصة، وتغير أنماط الدعم، وتزايد الضغوط المعيشية. وفي المقابل، اختزل البعض الليبرالية في هذه النتائج ذاتها، مغفلين الفارق الجوهري بين سوقٍ حرّ منظم يحمي العدالة، وسوقٍ منفلت يُقصي الفئات الهشة.

​ويكتسب هذا الجدل بعداً استراتيجياً بحكم بنيوية الاقتصاد الوطني، الذي يعاني من محدودية الموارد، وارتفاع معدلات البطالة، والاعتماد على الخارج، فضلاً عن تأثره المستمر بالارتدادات الإقليمية. وهي عوامل تجعل من تفكيك العلاقة بين الدولة والسوق ضرورة عملية لا ترفاً فكرياً.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين "الأدوات السياساتية" و"الخيارات الأيديولوجية"؛ فليست كل عملية خصخصة شهدها الأردن كانت انحيازاً عقائدياً للنيوليبرالية، بل كانت في كثير من الأحيان نتاج إكراهات مالية داخلية، وضغوط تمويلية خارجية، أملتها ظروف العولمة وتحولات الاقتصاد الدولي.

إلا أن الخلل الحقيقي لم يكمن في مبدأ إشراك القطاع الخاص، بل في ضعف أدوات الحوكمة وهياكل الرقابة الرسمية التي كان ينبغي لها أن تحمي المستهلك وتمنع تشكّل احتكارات خاصة بديلة للاحتكارات الحكومية.

وإذا كان الجدل الأردني يدور في جوهره حول حدود العلاقة بين الدولة والسوق، فإن التجارب الدولية تقدم نماذج عملية تساعد على فهم الكيفية التي يمكن من خلالها إدارة هذا التوازن دون الوقوع في ثنائية الانحياز المطلق لأي من الطرفين.

​تُظهر التجارب الدولية أن نجاح النماذج الاقتصادية لا يقوم على الانحياز المطلق لسطوة الدولة أو لانفلات السوق، بل على إدارة توازن مرن وديناميكي بينهما. فالتجربة الألمانية، عبر نموذج “اقتصاد السوق الاجتماعي”، نجحت في مزج الكفاءة الرأسمالية بشبكة أمان اجتماعي واسعة وفاعلة. وفي المقابل، اعتمدت دول شرق آسيا على دور توجيهي وتنموي صارم للدولة، دون تعطيل ديناميكيات القطاع الخاص.

وإذا كانت هذه التجارب قد نجحت في بناء صيغ مختلفة للتوازن بين الدولة والسوق، فإن السؤال الأردني اليوم لا يتعلق بنسخ هذه النماذج، بل بمدى القدرة على تكييف دروسها مع الخصوصية الوطنية ومتطلبات المرحلة المقبلة.

​هذه النماذج تؤكد ما تشير إليه قراءات اقتصادية حديثة، يشارك فيها اقتصاديون وطنيون كالدكتور حازم الرحاحلة، من أن المعضلة الحقيقية ليست في ثنائية “الدولة مقابل السوق”، بل في "جودة الإدارة" وكفاءة التكيف ضمن بيئة متغيرة ومعقدة.

وفي الحالة الأردنية، يتجلى هذا التحدي اليوم في مدى قدرة "رؤية التحديث الاقتصادي" العابرة للحكومات على صياغة هذا التوازن المقترن بالنمو والاستثمار، مع الحفاظ على التماسك الاجتماعي وكفاءة المالية العامة.

​في النتيجة، لا يتمثل جوهر النقاش الاقتصادي في الأردن في الانحياز إلى مدرسة فكرية دون غيرها، بل في مدى قدرتنا على تحويل المفاهيم من شعارات استقطابية إلى أدوات تحليلية تساعد في فهم الواقع وصناعة القرار.

إن التحدي الحقيقي أمام صانع القرار الأردني يتمثل في بناء نموذج وطني هجين، يوازن بين كفاءة السوق ومسؤولية الدولة الرقابية والأخلاقية. ومن هذا المنظور، فإن دعوة الدكتور الرزاز إلى التمييز بين الليبرالية والنيوليبرالية هي دعوة جادة لعقلنة الخطاب الاقتصادي، وضبطه على أسس أكثر صرامة ونضجاً وواقعية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :