facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأزمة الخليجية .. حين يصبح التوتر ضرورة لبقاء النظام


عبدالنبي الشعلة
13-06-2026 05:24 PM

في السياسة، كما في التاريخ، لا تكون الحروب والصراعات دائمًا نتيجة أخطاء في الحسابات أو سوء تقدير للمصالح. فهناك أنظمة حكم تجعل من التوتر الدائم جزءًا من آلية بقائها، وتتعامل مع الأزمات الخارجية باعتبارها وسيلة لتأجيل مواجهة أزماتها الداخلية. ومن يتأمل سلوك النظام الإيراني خلال العقود الماضية، وما نشهده اليوم من تجدد المواجهات العسكرية ومن مماطلات ومراوغات في المفاوضات مع الولايات المتحدة، واستمرار سياسات الاعتداء والتصعيد والابتزاز تجاه دول الجوار، يدرك أن المسألة تتجاوز مجرد خلافات سياسية أو نزاعات إقليمية عابرة.

الصورة واضحة؛ النظام الإيراني ليست لديه النية ولا يرغب في انهاء حالة التوتر والمواجهات في المنطقة، الحالة التي أوجدها منذ تسلمه السلطة في إيران في العام 1978.

هذا النظام يجد نفسه اليوم أمام تحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة. فهو يواجه اقتصادًا مثقلًا بالعقوبات، وتراجعًا في مستويات المعيشة، وتضخمًا مرتفعًا، ومطالب شعبية متزايدة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن حالة من الإرهاق العام التي أصابت قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني بعد سنوات طويلة من الصراعات والمواجهات والعزلة الدولية.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح استمرار حالة التوتر الخارجي أداة سياسية مفيدة لأي نظام يواجه ضغوطًا داخلية متزايدة. فوجود عدو خارجي، أو التلويح بأخطار محدقة، يساعد على توحيد الجبهة الداخلية خلف السلطة الحاكمة، ويجعل الأولوية الوطنية منصرفة إلى مواجهة التهديدات الخارجية بدلًا من الانشغال بمساءلة السلطة أو المطالبة بالإصلاح والتغيير.

هذه ليست ظاهرة جديدة في التاريخ السياسي. فقد شهد العالم تجارب عديدة لأنظمة وظفت الصراعات الخارجية لتبرير القيود الداخلية وتأجيل الاستحقاقات الوطنية. وفي العالم العربي عرفنا، خلال عقود طويلة، أنظمة رفعت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وجعلت من استمرار الصراع العربي الإسرائيلي مبررًا لتعليق الإصلاحات السياسية، وتقييد الحريات، وتأجيل المطالب الشعبية المتعلقة بالتنمية والعدالة والمحاسبة.

وإذا كان ذلك قد حدث في تجارب عربية سابقة، فإن ما نشهده اليوم في إيران يبدو أقرب إلى النسخة المعاصرة من المنطق ذاته. فكلما ازدادت الضغوط الداخلية، ارتفعت وتيرة الخطاب التعبوي، وتصاعدت حدة المواجهات الإقليمية، وتراجعت فرص التوصل إلى تسويات مستقرة ودائمة.

لقد كشفت حرب الأربعين يومًا حجم التحديات التي يواجهها النظام الإيراني. فالحرب لم تقتصر آثارها على الجوانب العسكرية، بل امتدت إلى مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. كما أنها أظهرت حدود القوة التي سعى النظام إلى بنائها على مدى عقود، وكشفت هشاشة الكثير من الفرضيات التي استندت إليها استراتيجيته الإقليمية.

والأهم من ذلك أن الحرب وما سبقها من أحداث أدت إلى تقليص نفوذ إيران الإقليمي بصورة واضحة، وأضعفت عددًا من الأدوات والأذرع التي اعتمدت عليها طهران لسنوات طويلة في توسيع نفوذها خارج حدودها. كما أن الكلفة الاقتصادية والبشرية لهذه السياسات أصبحت أكثر وضوحًا بالنسبة للمواطن الإيراني الذي يرى أن موارد بلاده وثرواتها قد بُدِدت واستُنزفت في مشاريع خارجية لم تنعكس على مستوى معيشته أو رفاهيته أو مستقبله.

ومن هنا يمكن القول إن الحصيلة النهائية لمشروع "تصدير الثورة" تبدو مختلفة تمامًا عما كان يتصوره منظروه قبل عقود. فبدلًا من تحقيق الازدهار والتنمية وتعزيز مكانة الدولة الإيرانية، وجدت إيران نفسها أمام عقوبات طويلة الأمد، وعلاقات متوترة مع محيطها ومع دول وازنة أخرى، وأعباء اقتصادية وسياسية ضخمة، وتراجع في مستوى الثقة بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع.

ولعل أكثر ما يقلق النظام الإيراني اليوم هو إدراكه أن المواطن الإيراني أصبح أكثر وعيًا بكلفة هذه السياسات ونتائجها. فالشعوب قد تتحمل الصعوبات لفترات طويلة عندما تقتنع بجدواها، لكنها تبدأ بطرح الأسئلة الصعبة عندما تتراكم الخسائر وتغيب المكاسب الملموسة.

لهذا السبب يبدو استمرار التوتر بالنسبة للنظام خيارًا مريحًا أكثر من خيار السلام. فالسلام الحقيقي يفتح الباب أمام الأسئلة المؤجلة، ويعيد التركيز إلى قضايا الاقتصاد والتنمية والبطالة ومستويات المعيشة والحوكمة الرشيدة. أما استمرار الأزمات فيوفر للنظام فرصة إضافية لكسب الوقت وتأجيل المواجهة مع استحقاقات الداخل.

أما بالنسبة لدول الخليج العربية، فإن الدرس الأهم يتمثل في ضرورة التعامل بواقعية مع هذه المعطيات. فالرغبة الصادقة في السلام والاستقرار يجب أن تبقى هدفًا ثابتًا لا حياد عنه، لكن هذه الرغبة ينبغي أن تقترن باليقظة والحذر والاستعداد الدائم. فالتجارب السابقة أثبتت أن بعض الأنظمة لا تنظر إلى التهدئة باعتبارها فرصة لبناء الثقة، بل باعتبارها استراحة مؤقتة تعيد خلالها ترتيب أوراقها استعدادًا لجولة جديدة من التصعيد.

إن شعوب الخليج، كما شعوب المنطقة كلها، تستحق أن تعيش في بيئة يسودها الأمن والاستقرار والتنمية والتعاون. غير أن تحقيق هذا الهدف يظل مرهونًا بوجود إرادة سياسية حقيقية تتخلى عن منطق التوسع والابتزاز والصراع الدائم، وتؤمن بأن مستقبل الشعوب لا يُبنى على الأزمات المفتوحة، بل على السلام والتنمية وحسن الجوار؛ وحتى يتحقق ذلك، سيظل من الحكمة أن نتمسك بالأمل في السلام، وأن نستعد في الوقت ذاته للتعامل مع واقع إقليمي ما زالت تحكمه حسابات معقدة تجعل من التوتر، بالنسبة لبعض الأنظمة، ضرورة للاستمرار والبقاء.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :