ماذا لو حُكم العالم بقوانين كرة القدم؟
د. موسى برهومة
13-06-2026 07:01 PM
ملخص
في الافتتاح الفني الغنائي المتنوع المبهر الذي رسمته المكسيك، عاش العالم لحظة فاتنة دشنت الحدث الأشد إثارة، والأكثر ترقباً ومتابعة من دون غيره من أحداث، ولو عظمت.
كان مقدراً لعنفوان الفنانة الكولومبية شاكيرا، التي افتتحت المونديال، أن يسحر الملايين بأغنية "داي داي" (هيا هيا)، بمشاركة النيجيري بورنا بوي. ومزجت الأغنية بين البوب اللاتيني وإيقاعات الموسيقى الشعبية المعاصرة المقبلة من غرب أفريقيا. وكان لإطلالة الفنانة المكسيكية (لبنانية الأصل) سلمى حايك حضور كثيف الدلالة، وهي تهتف، ببدلتها الحمراء الياقوتية "عاشت كرة القدم"، مما يؤكد أن الكرة تتنفس من رئة الفنون، باعتبارها أحد أكثر الفنون شعبية في العالم. وإلا ما معنى أن يقف نجم الأوبرا الإيطالي أندريا بوتشيلي، ويقدم النشيد الرسمي للبطولة بعنوان (DNA)، بمشاركة منسق الأغاني والمنتج الموسيقي ديفيد غيتا، والفنانة الحائزة ثلاث جوائز "غرامي" ميغان ذي ستاليون، إضافة إلى المغنية وكاتبة الأغاني الكورية إيه جاي؟
38 يوماً على وقع الحماسة
كرة القدم، والمونديال الحالي دليل على ذلك، تضبط إيقاع الناس في أربع جهات الأرض، ينامون ويستيقظون طوال 38 يوماً على وقع الحماسة والتحدي، كأن سحراً يجري في عروقهم ينتشلهم من براثن الآلام والخيبات ونكد العيش المضني، وينعش آمالهم الوطنية والقومية والأممية، ويجعلهم في حال توثب، مما يرفع "الأدرينالين" و"الدوبامين" لديهم، وهما هرمونان مسؤولان عن تجديد حيوية الرضا والنشاط والمجازفة.
لقد سميت "الساحرة المستديرة" لأنها كما كتب الشاعر محمود درويش، في نص نادر عن اللاعب الأرجنتيني الأسطورة مارادونا "مسرح واقعي لتعديل موازين القوى، أو المحافظة عليها، لخلق مستوى آخر للواقع، أو تثبيته. هي شيء من لعبة إعادة تركيب العالم على أسس مختلفة، وعلى جدارة مختلفة. حرب عالمية يمارس فيها خيال الشعوب دوره الغائب أو الحاضر. لا أحد يتفرج على سباق الأجساد، والمهارة، والذكاء، المعبرة عن طبائع الأمم في الهجوم والدفاع، في العنف والرقص، في الفردية والجماعية. الجميع ينخرطون".
"أشرف الحروب"
وكان درويش وصف كرة القدم بأنها "أشرف الحروب". ويروى أنه إبان الحصار الإسرائيلي لبيروت عام 1982، والذي تزامن مع مونديال إسبانيا، طلب "لاعب النرد" من رفاقه بعد انقطاع الكهرباء، أن يقوموا بإيصال التلفزيون ببطارية إحدى السيارات لمتابعة المباريات: "نحن أيضاً يحق لنا أن نحب كرة القدم".
ولم يسجل التاريخ المعاصر حدثاً وحد الناس كما تفعل كرة القدم، خصوصاً في المونديال الذي يثير كل أربعة أعوام جنوناً سعيداً يمتثل فيه اللاعبون والجماهير وعشاق اللعبة إلى جملة من القوانين، من دون اعتراض، وهو امتثال لا يشبه الخضوع الذليل، كما في العالم الواقعي خارج الملاعب، بل هو امتثال يعكس وفرة وجدانية في إطاعة القوانين واحترامها، ويعكس إيماناً مضمراً لدى المنخرطين في كرة القدم بأن العدالة المتحققة في اللوائح الناظمة لهذه اللعبة تجعل توقير القوانين يتنزل على الأرواح كما يتنزل الماء البارد على جسد محترق من شدة اللظى.
إن هذه الصيرورة المتحققة للطاعة على هذا النحو السلس، تغري بالمقارنة، وتحرض الخيال على تصورات قد تندرج في إطار "اليوتوبيا" التي راقت لخيال الفيلسوف الإنجليزي توماس مور، فراح في كتاب يحمل الاسم نفسه، عام 1516، يصف مجتمعاً خيالياً مثالياً يتمتع بالعدالة والمساواة والرخاء.
هذه الحال التي تدرك أنها تتحدث عن مكان لا يوجد، لا تحول دون طرح سؤال من قبيل: ماذا لو حكم العالم بقوانين كرة القدم؟
القواعد واضحة والرقابة صارمة
في كرة القدم، كما يعلم كثر، القواعد واضحة، والرقابة صارمة، والقرارات خاضعة للمراجعة، ولا أحد فوق القانون، لأن كل فرد سيعرف حقوقه وواجباته، ولن يكون هناك مجال واسع للتأويل أو التلاعب.
أضف إلى ذلك أن العقوبات ستطبق على الجميع من دون استثناء، سواء كانوا أصحاب نفوذ أو أشخاصاً عاديين، تماماً كما يشهر الحكم البطاقة الحمراء في وجه أي لاعب يرتكب مخالفة جسيمة مهما كانت شهرته، وقد أشهر الحكم البرازيلي ويلتون سامبايو، في مباراة افتتاح المونديال، البطاقة الحمراء ثلاث مرات، اثنتان منهما للاعبين من منتخب جنوب أفريقيا، والثالثة لأحد لاعبي المكسيك، لأن ثلاثتهم خرجوا عن القانون، وخالفوا الأنظمة.
وفي كرة القدم ثمة سعي دؤوب لتطوير آليات العدالة والإنصاف، وقد اعتمد تقنية "VAR" التي تراجع القرارات المهمة قبل أن يصدر حكم الساحة قراره النهائي في شأنها، لتحقيق أعلى درجات النزاهة، والنأي عن الظلم.
الروح الرياضية
اللاعبون في جلهم يخوضون "أشرف الحروب" فوق المستطيل الأخضر، لكنهم بعد المباراة، ومهما كانت النتيجة، يتصافحون ويتعانقون ويتحادثون ويتبادلون القمصان بمحبة "الروح الرياضية" التي لا تتوافر في أي مضمار آخر من الحياة الواقعية التي تقود هزائم صغيرة فيها إلى حروب طاحنة قد لا تبقي ولا تذر. ولعل الذاكرة التاريخية تسعف لتأكيد ذلك، فبعد فوز المرشح المناهض لتوسيع الرق أبراهام لينكولن في الانتخابات الرئاسية الأميركية، رفضت الولايات الجنوبية (الكونفيدرالية) الاعتراف بالنتيجة، مما أشعل حرباً أهلية دموية (1861-1865)، ذهب ضحيتها نحو 7 ملايين شخص.
في كرة القدم، ثمة مساواة. فلا حظوة لفريق كبير على آخر صغير، أو دولة عظمى على دولة صغرى، فقد تغلبت تونس على المكسيك (1978)، وفازت المغرب على البرتغال (1986)، وتفوقت الجزائر على ألمانيا الغربية (1982)، وهزمت السعودية الأرجنتين (2022). وتوجت الأوروغواي مرتين بكأس العالم في نسختي (1930) و(1950) مع أن عدد سكانها آنذاك لم يتجاوز 1.5 مليون نسمة.
وفي كرة القدم تتحول المباراة إلى تنافسية مفتوحة تعبر عن صراع الغرائز من أجل الظفر، لكنها تفعل ذلك من دون إراقة دم، أو إحراق جثث، أو هدم مدارس أو مشاف، أو تطهير عرقي. فالغرائز هنا تخوض حرباً حضارية مروضة أنيسة ينقشع غبارها بمجرد إطلاق الحكم صافرة النهاية.
ماذا قال ألبير كامو؟
كرة القدم، إلى ذلك تعلم، وتبرز علو كعب القيم الجماعية لروح الفريق، الذي يعمل بتفانٍ من أجل اقتناص هدف، ومن يخرج عن ذلك يسمى أنانياً. إنها لعبة الضبط المحكم التي تقلب المجن لظهر الواقع الذئبي الذي ينتظر كل واحد من الأفراد فيه فريسته. لقد عبر عن ذلك ببلاغة الأديب الفرنسي المولود في الجزائر ألبير كامو، حين قال "كل ما أعرفه عن الأخلاق والواجب، دين به لكرة القدم"، وكان حائز نوبل للأدب في صباه حارس مرمى بارعاً.
كرة القدم، وتحديداً المونديال، الذي يقام في المكسيك والولايات المتحدة وكندا، فرصة أشبه بهدنة يعقدها البشر مع الواقع البشع. ولعل هذا يفسر سبب الانفعالات المتوترة الهادرة بالغضب في المدرجات، وخلف الشاشات. إن الجماهير تنفس عن احتقاناتها، وتتخلص من الشحنات السلبية وطاقتها المدمرة. إنها حالة تطهرية، كما قال فرويد.
الحكم "طاغية بغيض"
ربما أغضب الحكم البرازيلي كثراً، بقسماته القاسية وجبروته في مباراة افتتاح المونديال الحالي، لكنه كان يحق الحق. وكثيراً ما نظر إلى الحكام، باعتبارهم مستبدين، فالحكم عند الأديب الأورغواني إدواردو غاليانو هو "الطاغية البغيض الذي يمارس ديكتاتورية من دون معارضة ممكنة، والجلاد المتكبر الذي يمارس سلطته المغلقة فيما الصفارة في فمه، إذ ينفخ الحكم رياح القدر المحتوم". وفي كتابه "كرة القدم في الشمس والظل" يصف غاليانو، اللاعب بأنه "يركض لاهثاً على شفير الهاوية. في جانب تنتظره سماوات المجد، وفي الجانب الآخر هوة الدمار". أما حارس المرمى فهو "حارس القوس، ولكننا نستطيع أن نسميه الشهيد، الوثن، النادم، أو المهرج الذي يتلقى الصفعات، ويقولون إن المكان الذي يطأه لا ينبت فيه العشب أبداً".
أما الجول فهو "ذروة المتعة في كرة القدم"، لا سيما إن جاء بتوقيع اللاعب الأرجنتيني مارادونا، الذي سلب، ذات مونديال، لب محمود درويش: "لمن سنرفع صراخ الحماسة والمتعة ودبابيس الدم، بعدما وجدنا فيه بطلنا المنشود، وأجج فينا عطش الحاجة إلى بطل... بطل نصفق له، ندعو له بالنصر، نعلق له تميمة، ونخاف عليه ـ وعلى أملنا فيه ـ من الانكسار؟".
اندبندنت عربية