facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




توتة أبو نايف ..


م. مدحت الخطيب
14-06-2026 12:45 PM

منذ أكثر من عشرة أعوام، وأنا أسكن بجوار جارٍ طيب يمتلك شجرة توت، نصفها داخل بيته، ونصفها الآخر يمد أغصانه إلى الشارع.. بالنسبة لي لم تكن مجرد شجرة، بل كانت قصة نجاح تُكتب كل صيف، ودروسًا في الاقتصاد والعمل والبركة.. إن مقولة: «نأكل ممّا نزرع ونصنع مما نبحث» ليست مجرد شعار، بل رؤية استراتيجية تُجسد النهج المستدام لدولتنا في بناء اقتصاد قوي ومستدام يعتمد على المعرفة والابتكار والزراعة، ويعزز مكانتها دولة رائدة في التنمية الشاملة.

أطلقت عليها اسم «توتة أبو نايف»، لأنها أصبحت معلمًا ومقصدا للجيران، ففي كل يوم جمعة وسبت أقف تحتها، أقطف منها ما يكفيني حتى أشبع، ثم أتوجه إلى السوق لشراء حاجيات المنزل، ومن بينها التوت الذي يُباع بأكثر من أربعة دنانير للكيلوغرام في ذروة الموسم، رغم أن آلاف الكيلوغرامات منه تتساقط كل عام تحت الأشجار في شوارعنا وحدائقنا، دون أن يلتفت إليها أحد.

هذه المفارقة تختصر كثيرًا من واقعنا. نشكو من غلاء الأسعار، ثم نترك الخير يتساقط أمام أعيننا. نتحدث عن ضيق المعيشة ولا نكلف أنفسنا بزراعة شجرة ليمون مثلا والتي يزيد سعر الكيلو الأن عن دينارين ونصف، نهمل كل فرصة يمكن أن تخفف عن الأسرة جزءًا من أعبائها ولا تحتاج للكثير من التعب.. ونبحث عن حلول معقدة، بينما الحل يبدأ أحيانًا ببذرة، أو شجرة، أو قطعة أرض صغيرة.

«توتة أبو نايف» ليست مجرد شجرة توت، بل رسالة تقول إن الأرض لا تبخل على من يخدمها، وإن الزراعة ليست هواية لكبار المزارعين فقط، بل ثقافة يمكن أن تبدأ من فناء منزل، أو رصيف، أو حديقة صغيرة. فشجرة واحدة قد تمنحك الظل، والغذاء، والجمال، وتخفف عنك جزءًا من فاتورة المعيشة، وتزرع في أبنائك قيمة العمل والإنتاج.

ما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد علاقتنا بالأرض. أن نزرع بدل أن نكتفي بالشراء، وأن نستثمر كل مساحة خضراء بدل أن نتركها مهملة. فالأمن الغذائي لا يبدأ من القرارات الكبرى وحدها، بل يبدأ من شجرة يغرسها مواطن، ويسقيها بحب، ثم يجني ثمارها هو وجيرانه.

تحية لأبي نايف، الذي ربما لم يقصد أن يعلّم أحدًا، لكنه فعل.. وتحية لكل يدٍ غرست شجرة، فكانت سببًا في رزق، أو ظل، أو ثمرة، أو ابتسامة. فالخير الذي تمنحه الأرض لا ينضب، وإنما ينضب حين نهجرها وننسى أنها كانت، وما زالت، أوفى شريك للإنسان.

[email protected]





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :