اتفاقيات على حافة الهاوية
محمد نور الدباس
14-06-2026 01:07 PM
في منطقة الشرق الأوسط، لا تكفي الاتفاقات الثنائية لصناعة السلام، ولا تكفي التفاهمات المؤقتة لتبديد شبح الحرب، فالمنطقة التي تتشابك فيها التحالفات والعداوات، وتتداخل فيها الحسابات المحلية بالإقليمية والدولية، أثبتت مراراً وتكراراً أن أي اتفاق لا يراعي جميع اللاعبين المؤثرين، يبقى اتفاقاً هشّاً ينتظر أول اختبار جدي لينهار.
ومن هذا المنطلق، فإن أي اتفاق أمريكي - إيراني يهدف إلى احتواء التصعيد أو إنهاء المواجهة بين الطرفين، مع بقاء إسرائيل خارج معادلته السياسية والأمنية، يبدو أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى تسوية مستقرة، فدولة الاحتلال لا تنظر إلى الصراع مع إيران من زاوية البرنامج النووي وحده، بل تعتبر أن نفوذ طهران الإقليمي، وفي مقدمته حزب الله في لبنان، يشكل التهديد الأكثر إلحاحاً لأمنها القومي، وفي المقابل، ترى إيران أن حزب الله ليس مجرد حليف سياسي أو عسكري، بل جزء من منظومة الردع الاستراتيجية التي بنتها على مدى عقود.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية المتمثلة ب ماذا لو قررت دولة الاحتلال توجيه ضربة واسعة إلى لبنان تستهدف حزب الله؟ هل ستقف إيران موقف المتفرج حفاظاً على اتفاق مع الولايات المتحدة؟ أم أنها ستتدخل دفاعاً عن أحد أهم ركائز نفوذها الإقليمي؟ وإذا تدخلت إيران، فهل تستطيع الولايات المتحدة، الحليف التاريخي لدولة الاحتلال، أن تبقى خارج المواجهة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تحتاج إلى كثير من الخيال السياسي، فالتجربة تشير إلى أن احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع ستكون مرتفعة، فالهجوم من دولة الاحتلال قد يستدعي رداً إيرانياً، والرد الإيراني قد يستجلب تدخلاً أمريكياً جديداً، لتعود المنطقة إلى نقطة الصفر، وكأن الاتفاق لم يكن سوى استراحة قصيرة بين جولة وأخرى من الصراع.
والأخطر من ذلك أن اتساع دائرة المواجهة قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أكثر أوراقها حساسية وتأثيراً، وهي التهديد بإغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه، وعندها لن تكون الأزمة شأناً إقليمياً فحسب، بل ستتحول إلى أزمة دولية تهدد أمن الطاقة العالمي، وترفع أسعار النفط، وتلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي بأسره.
والصحيح أن جميع الأطراف تدرك الكلفة الباهظة لحرب إقليمية شاملة، لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تنشأ دائماً من قرارات مدروسة بعناية، بل قد تبدأ بسوء تقدير، أو بإفراط في الثقة، أو باعتقاد خاطئ بأن الطرف الآخر لن يذهب بعيداً في الرد.
لذلك، فإن معيار نجاح أي اتفاق أمريكي – إيراني لا ينبغي أن يكون مجرد توقف إطلاق النار بين الطرفين، بل قدرته على معالجة التشابكات الإقليمية التي قد تعيد إشعال الأزمة في أي لحظة، فالسلام الحقيقي لا يقوم على تجاهل الملفات الأكثر حساسية، وإنما على إدارتها ضمن تفاهمات واضحة تضع حدوداً للصراع وتمنع تمدده وتوسعه.
إن الشرق الأوسط اليوم لا يحتاج إلى اتفاقات تعالج الأعراض وتترك المرض يتفاقم في العمق، فهو بحاجة إلى رؤية أوسع تعترف بأن الأمن في المنطقة شبكة مترابطة، وأن استبعاد أي طرف يمتلك القدرة على قلب الطاولة، يعني أن الطاولة نفسها لم تكن مستقرة منذ البداية.
وعليه فإن السؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه صناع القرار في واشنطن وطهران وتل أبيب ليس كيف نوقف الحرب الحالية؟ بل كيف نمنع الحرب المقبلة؟ ففي هذه المنطقة التي اعتادت أن تدفع أثمان الحسابات الخاطئة، قد يكون أخطر ما في الاتفاقات الناقصة أنها تمنح الجميع وهماً بالاستقرار، بينما تكون المنطقة بأسرها واقفة على حافة الهاوية.