الهجرة النبوية الشريفة: لحظة التأسيس الكبرى بين الرسالة والدولة
د. بركات النمر العبادي
15-06-2026 10:36 AM
* قراءة في الدلالات التاريخية والسياسية للهجرة النبوية من منظور الفكر المحافظ الأردني الحديث
تأتي ذكرى رأس السنة الهجرية كل عام بوصفها أكثر من مجرد انتقال زمني بين عام وآخر؛ فهي استدعاء لإحدى أعظم اللحظات المؤسسة في التاريخ الإنساني ، تلك اللحظة التي انتقلت فيها الدعوة الإسلامية من طور الفكرة المستضعفة إلى طور المجتمع المنظم ، ومن مرحلة الصبر على الأذى إلى مرحلة بناء الدولة وصناعة الحضارة ، فالهجرة النبوية لم تكن هروباً من واقع صعب ، ولم تكن انسحاباً من مواجهة الظلم ، بل كانت فعلاً تاريخياً واعياً أعاد ترتيب العلاقة بين العقيدة والمجتمع ، وبين القيم والسلطة ، وبين الإنسان والتاريخ
الهجرة بوصفها انتصاراً للحق على الباطل
في جوهرها العميق تمثل الهجرة النبوية انتقالاً من منطق القوة المجردة إلى قوة الحق ، ومن استبداد العصبية إلى عدالة الرسالة ، ومن ضيق القبيلة إلى سعة الأمة ، لقد واجه النبي صلى الله عليه وسلم في مكة نظاماً اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً راسخاً ، لكنه لم يسع إلى تحطيم المجتمع أو هدم تقاليده ، وإنما عمل على تهذيبها وإعادة توجيهها نحو الخير والعدل والكرامة الإنسانية ، وعندما استحال الإصلاح في البيئة المكية انتقل إلى المدينة ليؤسس نموذجاً جديداً للتعايش والتنظيم السياسي والاجتماعي.
الهجرة وتأسيس مفهوم الدولة
تكتسب الهجرة أهميتها السياسية من كونها اللحظة التي شهدت ولادة أول مجتمع سياسي إسلامي منظم ، ففي المدينة المنورة لم يؤسس الرسول صلى الله عليه وسلم دولة دينية بالمعنى الكهنوتي الذي عرفته بعض الحضارات القديمة ، وإنما أسس مجتمعاً قائماً على التعاقد والحقوق والواجبات المشتركة ، وهو ما تجسد في "صحيفة المدينة" التي تعد من أقدم الوثائق السياسية في التاريخ الإنساني.
لقد وضعت الصحيفة أسس المواطنة والتعايش واحترام التنوع الديني والقبلي ضمن إطار سياسي جامع ، الأمر الذي يجعل الهجرة حدثاً إنسانياً يتجاوز حدود المسلمين ليشكل محطة مهمة في تطور الفكر السياسي العالمي ، ومن هذا المنطلق فإن الهجرة تؤكد أن الدولة ليست مجرد سلطة ، بل إطار أخلاقي يحفظ المجتمع ويصون مصالحه ويمنع الفوضى والانقسام.
الهجرة وبناء الأمة الحضارية
لم تكن الهجرة تأسيساً لدولة فحسب ، بل كانت تأسيساً لأمة جديدة حملت رسالة حضارية عالمية ، فخلال عقود قليلة انتقلت الأمة الإسلامية من حدود الجزيرة العربية إلى فضاءات العالم القديم، ليس فقط بقوة الجيوش، بل بقوة الفكرة والنموذج الحضاري والعلمي والأخلاقي.
ومن رحم الهجرة ولدت حضارة أسهمت في تطوير العلوم والفلسفة والطب والفلك والرياضيات والإدارة والقانون، وشكلت جسراً حضارياً بين الأمم والشعوب ، ولهذا فإن الهجرة ليست حدثاً خاصاً بتاريخ المسلمين فقط، بل محطة أساسية من محطات التاريخ الإنساني التي أسهمت في تشكيل العالم الحديث.
الهجرة في رؤية الفكر المحافظ الأردني الحديث
ينظر الفكر المحافظ الأردني الحديث إلى الهجرة النبوية باعتبارها نموذجاً متكاملاً للتغيير المسؤول الذي يجمع بين الإصلاح والاستقرار ، فالمحافظة ليست جموداً ، كما أن التغيير ليس ثورة دائمة على كل ما هو قائم ، والهجرة تقدم نموذجاً فريداً للتوازن بين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل.
لقد حافظ النبي صلى الله عليه وسلم على الثوابت العقدية والأخلاقية ، لكنه مارس أعلى درجات الواقعية السياسية في إدارة التحولات التاريخية ، ومن هنا يستلهم الفكر المحافظ الأردني أهمية الإصلاح التدريجي الذي يحافظ على تماسك المجتمع واستمرارية الدولة ويحمي الأمة من مغامرات الفوضى والقطيعة مع التاريخ.
كما تؤكد الهجرة قيمة الانتماء للمجتمع والدولة معاً ؛ فالمدينة لم تقم على أساس الإقصاء أو الصراع الداخلي ، وإنما على أساس التوافق والتعاون والتكافل، وهي قيم تشكل ركائز التجربة الأردنية الحديثة القائمة على الاعتدال والتدرج والتوازن.
الهجرة والهوية العربية الإسلامية
تمثل الهجرة أيضاً لحظة مفصلية في تشكل الهوية العربية الإسلامية التي أصبحت لاحقاً أحد أهم مكونات الحضارة الإنسانية ، فقد حمل العرب رسالة الإسلام إلى العالم ، واكتسبوا من خلالها بعداً حضارياً عالمياً تجاوز حدود الانتماء القبلي أو الجغرافي لا، ولم يعد العرب مجرد جماعات متفرقة في الصحراء ، بل أصبحوا جزءاً من مشروع حضاري عالمي أسهم في صياغة تاريخ الإنسانية لقرون طويلة.
ومن هنا فإن العلاقة بين العروبة والإسلام ليست علاقة تنافس أو تعارض ، بل علاقة تكامل تاريخي وحضاري تشكلت معالمها الكبرى منذ الهجرة النبوية المباركة.
وفي الختام ، تبقى الهجرة النبوية حدثاً متجدداً في الوعي الإنساني ، لأنها لم تكن انتقالاً من مكان إلى مكان ، بل انتقالاً من مرحلة تاريخية إلى مرحلة حضارية ، ومن مجتمع تحكمه العصبيات إلى أمة تحكمها القيم ، ففي زمن تتزايد فيه التحديات والانقسامات ، تذكرنا الهجرة بأن بناء الدول يبدأ ببناء الإنسان ، وأن استقرار المجتمعات لا يتحقق إلا بالتوازن بين الحرية والنظام ، وبين الإصلاح والمحافظة، وبين الهوية والانفتاح.
ولذلك فإن رأس السنة الهجرية ليس مجرد مناسبة دينية أو تاريخية ، بل دعوة متجددة للتأمل في معاني التأسيس والبناء والنهضة ، واستحضار الدرس النبوي الخالد الذي أثبت أن الأفكار العظيمة حين تقترن بالأخلاق والحكمة قادرة على تغيير مجرى التاريخ وصناعة مستقبل الأمم.
حمى الله الاردن و سدد على طريق الحق خطاه
حزب المحافظين الاردني
الامين العام المساعد لحزب المحافظين الاردني للثقافة الحزبية