facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الذين توقفت بهم الأزمان


سعيد الصالحي
15-06-2026 11:32 AM

عندما لا تصل بك الطرق، وحين تتشابه الأرصفة وأعمدة الشوارع، فليس بالضرورة أنك تدور في حلقة مفرغة، وربما لا تكون قد أضعت الطريق الذي تسلكه كل يوم نحو هدف لا يعرف أحد سبيله على وجه اليقين، إلا المنجمون والعارفون بكل شيء؛ أولئك الذين يحيطون بنا من كل جانب، ويملون علينا ما ينبغي أن نفعل، ويغدقون علينا بالنصائح وهم أحوج الناس إليها.

منذ فترة ليست بالقصيرة، لم أعد أنتقد الشوارع، ولا ما تبقى من الأشجار، ولا العصافير التي تغرد لتوقظني كل صباح، ولا الإذاعات التي تسبق الديوك في الصياح وإعلان النهار. توقفت عن كل هذه العادات، لا لأن حكمة هبطت عليّ فجأة كالصاعقة، ولا لأن الإحباط انتصر أخيرًا، بل لأنني اكتشفت أن كثيرًا منا يعيش غريبًا عن زمنه.

فبعضنا اعتاد المشي على الأسفلت بدل الطرق المفروشة بالحجارة، واستبدل العربة التي تجرها البغال بسيارة حديثة، وخلع ثيابه القديمة وارتدى ما تتيحه الأسواق من أسماء وعلامات تجارية، لكن عقله وقلبه ومعاييره ما تزال هناك، في الزمن الذي رحل عنه جسده ولم ترحل عنه روحه. وما تزال ساعته الداخلية ترفض التأقلم مع زمن جديد لا يشبه ما اعتاده.

وما أود قوله هو أن بيننا أشباحًا كثيرة. أشباحًا تلقينا كل يوم بتحيات الصباح والمساء، وتشبهنا في الهيئة والملبس، لكنها لا تنتمي إلى عالمنا إلا بالقدر الذي يسمح لها بالعيش فيه. أشباحًا تختبئ خلف الشاشات الصغيرة لتوزع صكوك الوطنية والشرف على من تشاء، وتسحبها ممن تشاء، وتكيل الشتائم لكل من لا يوافقها الرأي، وكأن الحقيقة إرث خاص بها، وكأنها وحدها تملك الرؤيا، وتحتكر حق الرؤية، ووحدها القادرة على تفسير ما نراه.

لقد اعتادت المدينة خلال رحلتها الطويلة، أن تتعايش مع هذا النوع من البشر؛ أولئك الذين يسيرون إلى الخلف وهم يظنون أنهم يتقدمون، والذين لا يعرفون وسيلة لإثبات حضورهم سوى رفع أصواتهم. يصرخون في وجه المدينة، وفي وجه الناس، وفي وجه الزمن نفسه، بينما تكتفي الحجارة والأعمدة بمراقبتهم بصبر طويل، تتبسم لهم أحيانًا شفقة، وربما تبكي عليهم أحيانًا أخرى.

ولعل أكثر ما تعلمته من هذه المدينة أن الحجارة لا تتعجل أحكامها، وأن الأعمدة العتيقة لا تدخل في خصومات عابرة، وأن ما صمد من المكان كان أكثر حكمة ممن مروا به وتركوا ضجيجهم خلفهم.

فالحجارة، في نهاية الأمر، أكثر صبرًا وحكمة من أولئك الذين توقفت بهم الأزمان.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :