الشرق الأوسط بعد الحرب: من غيّر قواعد اللعبة؟ 3 - 3
د. محمد بني سلامة
20-06-2026 09:36 AM
شرق أوسط جديد يتشكل... هل انتهى زمن الهيمنة المطلقة؟
عندما تنتهي الحروب الكبرى، لا يكون السؤال الأهم من أطلق الرصاصة الأولى أو من امتلك السلاح الأقوى، بل من استطاع أن يفرض واقعه السياسي بعد توقف القتال. فالنتائج الحقيقية للحروب تظهر في مرحلة ما بعد المواجهة، حين تبدأ الدول بإعادة حساباتها، وتعيد القوى الكبرى رسم أولوياتها، وتتغير خرائط النفوذ والتحالفات.
وإذا كانت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران قد كشفت شيئًا مهمًا، فهو أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة انتقالية قد تكون من أكثر المراحل حساسية منذ نهاية الحرب الباردة.
لقد اعتادت المنطقة، طوال العقود الماضية، العمل ضمن معادلات واضحة نسبيًا. الولايات المتحدة كانت القوة المهيمنة بلا منازع، وإسرائيل كانت المستفيد الاستراتيجي الأكبر من هذه الهيمنة، بينما كانت القوى الإقليمية الأخرى تتحرك ضمن هوامش محددة تفرضها موازين القوة القائمة.
لكن ما شهدناه خلال الأشهر الأخيرة يوحي بأن هذه المعادلات لم تعد بالصلابة التي كانت عليها سابقًا.
فإيران، التي تعرضت لعقوبات اقتصادية غير مسبوقة وضغوط سياسية وعسكرية هائلة، لم تخرج من المشهد الإقليمي كما توقع كثيرون. بل على العكس، تمكنت من الحفاظ على مؤسساتها السياسية، واستمرت في إدارة شبكة علاقاتها الإقليمية، ودخلت مرحلة التفاوض وهي ما تزال لاعبًا رئيسيًا لا يمكن تجاهله.
ولا يتعلق الأمر هنا بانتصار عسكري بالمعنى التقليدي، بل بقدرة دولة على الصمود والحفاظ على أوراق قوتها الأساسية في مواجهة ضغوط هائلة. ففي السياسة الدولية، أحيانًا يكون البقاء بحد ذاته شكلًا من أشكال الانتصار، خصوصًا عندما يكون الهدف المعلن للخصم هو تغيير السلوك أو فرض الاستسلام أو إعادة تشكيل البيئة السياسية بالكامل.
وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية على مستوى العالم. فواشنطن اليوم تواجه تحديات متصاعدة في آسيا، ومنافسة متزايدة مع الصين، وأزمات متلاحقة في أوروبا ومناطق أخرى من العالم. ولذلك فإن إدارتها لملفات الشرق الأوسط أصبحت أكثر ارتباطًا بحسابات المصالح الأمريكية الشاملة، وأقل ارتباطًا بالرغبة في الانخراط المباشر والمفتوح في صراعات طويلة الأمد.
هذه الحقيقة تدركها عواصم المنطقة جيدًا. ولذلك نشهد اليوم حالة من إعادة التموضع السياسي لدى العديد من الدول التي بدأت تبحث عن سياسات أكثر توازنًا، وأكثر قدرة على التكيف مع بيئة إقليمية ودولية متغيرة.
ومن هنا يمكن فهم حالة الحراك الدبلوماسي المتسارع التي تشهدها المنطقة. فالدول العربية، كما إيران وتركيا وإسرائيل، تدرك أن مرحلة جديدة بدأت بالفعل، وأن الاعتماد على معادلات الماضي لم يعد كافيًا لفهم المستقبل أو التعامل معه.
غير أن أخطر ما في هذه المرحلة ليس التحولات نفسها، بل حالة عدم اليقين التي ترافقها. فعندما تتغير موازين القوى بسرعة، تصبح احتمالات سوء التقدير أكبر، وتزداد مخاطر القرارات الانفعالية وردود الفعل غير المحسوبة.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربات سياسية أكثر عقلانية وواقعية. فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى المزيد من الحروب بقدر ما يحتاج إلى بناء توازنات مستقرة قادرة على منع الانفجار الدائم. كما أن شعوب المنطقة، التي دفعت أثمانًا باهظة خلال العقود الماضية، أصبحت أكثر تطلعًا إلى الاستقرار والتنمية من أي وقت مضى.
أما بالنسبة للأردن، فإن قراءة هذه التحولات تكتسب أهمية خاصة. فالمملكة بحكم موقعها الجغرافي ودورها السياسي كانت دائمًا في قلب التفاعلات الإقليمية. ومن هنا تبرز أهمية السياسة الأردنية التي اتسمت تاريخيًا بالاعتدال والواقعية والقدرة على التكيف مع المتغيرات دون الانجرار إلى المغامرات أو الاستقطابات الحادة.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تنجح في فترات التحول الكبرى ليست بالضرورة الأقوى عسكريًا أو الأكبر اقتصاديًا، بل تلك التي تمتلك رؤية واضحة وقدرة على استشراف المستقبل وإدارة التحديات بحكمة.
واليوم، بينما تتشكل ملامح شرق أوسط جديد، يبدو أن المنطقة بأسرها تقف أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح القوى الإقليمية والدولية في بناء منظومة أكثر استقرارًا وتوازنًا، وإما أن تستمر دوامة الصراعات التي استنزفت الجميع لعقود طويلة.
ما نعرفه حتى الآن أن الحرب الأخيرة لم تُنهِ الصراع، لكنها غيرت كثيرًا من قواعده. وأن المنطقة التي ستخرج من هذه المرحلة لن تكون هي نفسها المنطقة التي دخلتها. لقد تحركت موازين القوة، وتبدلت الحسابات، وبدأ فصل جديد في تاريخ الشرق الأوسط.
أما شكل هذا الفصل، ومن سيكون الرابح الأكبر فيه، فذلك سؤال ما يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات.