الأردن لا يحتاج إلى وظائف أكثر فقط بل إلى اقتصاد أكبر
د. حسام الحراحشة
22-06-2026 10:58 AM
في كل مرة يُفتح فيها النقاش حول الاقتصاد الأردني، تتجه الأنظار بصورة طبيعية نحو البطالة وخلق فرص العمل ومستقبل الشباب. وهي قضايا مشروعة وتستحق أن تبقى في صدارة الاهتمام الوطني. إلا أنني أعتقد أن النقاش الاقتصادي في الأردن يحتاج اليوم إلى الانتقال من التركيز على النتائج إلى التركيز على الأسباب، ومن معالجة الأعراض إلى معالجة جذور التحديات الاقتصادية. فعندما نتحدث عن البطالة، فإننا غالباً ما نتعامل مع نتيجة مباشرة لواقع اقتصادي أوسع، بينما يبقى السؤال الأكثر أهمية: كيف نبني اقتصاداً أكبر وأكثر قدرة على النمو والإنتاج والمنافسة؟
إن الوظائف لا تُخلق بقرارات إدارية فقط، ولا من خلال التوسع المستمر في الإنفاق الحكومي، بل تُخلق عندما ينمو الاقتصاد وتتوسع الشركات وتزداد الاستثمارات وتظهر قطاعات جديدة قادرة على المنافسة والإنتاج والتصدير. ولهذا فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأردن ليس فقط كيفية توفير وظائف إضافية، بل كيفية بناء اقتصاد قادر على خلق تلك الوظائف بصورة مستدامة عاماً بعد عام.
لقد نجح الأردن، رغم بيئة إقليمية شديدة التعقيد، في الحفاظ على الاستقرار السياسي والمؤسسي، وفي بناء مؤسسات دولة قادرة على الاستمرار والصمود أمام التحديات. كما استثمرت الدولة على مدى عقود في التعليم والبنية التحتية والخدمات العامة، وهي إنجازات لا يمكن التقليل من أهميتها. لكن في المقابل، ما زال الاقتصاد الوطني يواجه تحدياً أساسياً يتمثل في تحقيق معدلات نمو قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب الداخلين إلى سوق العمل، وتحويل رأس المال البشري الأردني إلى قوة اقتصادية منتجة وقادرة على المنافسة.
واليوم، تواجه الحكومة الأردنية ضغوطاً متزايدة على الموازنة العامة في وقت ترتفع فيه الاحتياجات الوطنية في قطاعات التعليم والصحة والمياه والنقل والحماية الاجتماعية والبنية التحتية. وهي احتياجات مشروعة تعكس تطلعات المواطنين نحو خدمات أفضل ومستوى معيشة أعلى. لكن الحقيقة الاقتصادية الأساسية هي أن قدرة أي حكومة على تلبية هذه التطلعات ستبقى مرتبطة بقدرة الاقتصاد نفسه على النمو. فحتى أكثر الحكومات كفاءة لا تستطيع الاستمرار في توسيع الإنفاق والخدمات إذا لم يكن هناك اقتصاد أكبر يولد موارد وإيرادات وفرصاً جديدة بصورة مستدامة.
ومن واقع تجربتي في تطوير السياسات العامة الحزبية وممارسة الرقابة على الأداء الحكومي، سواء على مستوى السياسات الوطنية أو على مستوى اقتصادات محلية تبلغ قيمتها مليارات الجنيهات الإسترلينية وتدار من خلال السلطات المحلية في المملكة المتحدة، فإن أحد أهم الدروس التي تعلمتها هو أن الحكومات الناجحة لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الخدمات، بل بقدرتها على خلق الظروف التي تسمح للاقتصاد بالنمو. فالحكومة ليست مطالبة بأن تكون المحرك الوحيد للنشاط الاقتصادي، بل أن تكون المُمكّن الرئيسي له من خلال الاستثمار في البنية التحتية، وتحسين البيئة التنظيمية، وتطوير المهارات، وتعزيز الثقة بالاقتصاد.
ومن هنا، أعتقد أن الوقت قد حان لإعادة النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى دور الدولة في خلق فرص العمل. فالحكومة، مهما بلغت إمكانياتها، لا يمكن أن تكون الجهة الرئيسية المسؤولة عن استيعاب جميع الباحثين عن العمل على المدى الطويل. لقد أثبتت التجارب الاقتصادية الناجحة أن الوظائف المستدامة تأتي من قطاع خاص قوي وقادر على الاستثمار والتوسع، ومن قطاع أهلي ومجتمعي نشط يساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومن بيئة أعمال تشجع الابتكار والمبادرة. ولذلك، فإن نجاح الأردن الاقتصادي خلال العقد القادم سيعتمد بدرجة كبيرة على مدى قدرتنا على تمكين القطاع الخاص والمؤسسات غير الربحية ورواد الأعمال من لعب دور أكبر في خلق الفرص الاقتصادية ولكن من الأخذ بعين الاعتبار لإعطاء الحقوق العمالية كامله وتطويرها بما يتناسب مع احتياجات العمال والمجتمع.
وفي هذا السياق، يجب أن يكون الاستثمار في البنية التحتية الاقتصادية أولوية وطنية مستمرة. فالبنية التحتية لا تعني الطرق والجسور فقط، بل تشمل أيضاً البنية الرقمية، وشبكات النقل الحديثة، والطاقة، والمناطق الاقتصادية، والخدمات اللوجستية، والأنظمة التنظيمية الفعالة. هذه العناصر لا تمثل إنفاقاً حكومياً فحسب، بل هي أدوات استراتيجية لزيادة الإنتاجية وجذب الاستثمارات وخلق بيئة أكثر قدرة على المنافسة. وعندما تستثمر الدولة في هذه المجالات، فإنها لا تخلق فرصاً مباشرة فقط، بل تؤسس لنمو اقتصادي طويل الأمد قادر على توليد فرص العمل والإيرادات وتحسين مستويات المعيشة.
ومن منظور اقتصادي، فإن النمو هو المحرك الأساسي لتحسين حياة المواطنين بصورة مستدامة. وقد رحبت شخصياً بالقرار الأخير المتعلق بزيادة الرواتب للفئات التي تقل دخولها عن 600 دينار شهرياً، لأنه يعكس إدراكاً لأهمية دعم أصحاب الدخل المحدود في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. إلا أن السؤال الأهم يبقى: كيف نجعل مثل هذه التحسينات أكثر استدامة وأوسع أثراً؟ الإجابة تكمن في اقتصاد أكبر وأكثر إنتاجية. فكلما نما الاقتصاد، ازدادت قدرة الدولة على تحسين الأجور، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، والاستثمار في الخدمات العامة، وتحسين نوعية الحياة بصورة مستدامة. أما إذا بقي النمو محدوداً، فإن قدرة الحكومة على الاستجابة للتطلعات ستبقى مقيدة مهما كانت النوايا والسياسات إيجابية.
ولا يمكن الحديث عن النمو الاقتصادي دون التوقف عند العلاقة بين التعليم وسوق العمل، وهي قضية ستحدد إلى حد كبير قدرة الأردن على المنافسة خلال العقود القادمة. فرغم النجاحات الكبيرة التي حققتها المملكة في توسيع فرص التعليم والاستثمار في رأس المال البشري، ما زالت هناك فجوة قائمة بين بعض مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد الحديث. وفي الوقت الذي تتغير فيه طبيعة الوظائف بوتيرة غير مسبوقة نتيجة التطورات التكنولوجية والتحول الرقمي، لا تزال بعض البرامج الأكاديمية بعيدة عن المهارات المطلوبة في الأسواق المحلية والعالمية. ولذلك، فإن نجاح منظومة التعليم يجب أن يقاس ليس فقط بعدد الخريجين، وإنما بقدرتها على إعداد شباب قادرين على الاندماج في الاقتصاد، والمساهمة في الابتكار، وخلق المشاريع، والاستجابة لمتطلبات القطاعات التي ستقود النمو في المستقبل.
إن تعزيز العلاقة بين الجامعات والقطاع الخاص لم يعد خياراً، بل ضرورة اقتصادية. كما أن التعليم التقني والمهني يحتاج إلى مكانة أكبر في منظومة التنمية الوطنية، وأن تصبح مؤشرات التوظيف وريادة الأعمال والابتكار جزءاً من معايير تقييم مؤسسات التعليم العالي. فالاستثمار في التعليم لا يكتمل عند التخرج، بل عند الانتقال الناجح من قاعات الدراسة إلى سوق العمل.
وفي الوقت ذاته، يقف الأردن أمام فرصة استراتيجية تستحق اهتماماً أكبر. فقد دفعت التوترات الإقليمية الأخيرة وحالة عدم اليقين التي شهدتها بعض الأسواق في المنطقة العديد من المستثمرين ورواد الأعمال والشركات إلى إعادة تقييم أولوياتهم الاستثمارية. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الاستقرار قيمة اقتصادية حقيقية وليست مجرد ميزة سياسية. فالأردن يمتلك سجلاً طويلاً من الاستقرار المؤسسي والاعتدال والقدرة على الصمود، وهي عناصر تزداد أهميتها في أوقات الاضطراب. كما أن العديد من الشركات والمبدعين وأصحاب المشاريع في المنطقة أصبحوا أكثر اهتماماً بالبحث عن بيئات مستقرة توفر القدرة على التخطيط طويل الأمد والنمو بثقة.
لكن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب أكثر من الاكتفاء بعرض الاستقرار كميزة وطنية. فالمستثمر لا يبحث فقط عن الأمان، بل يبحث أيضاً عن الكفاءة والسرعة والقدرة على النمو. ولذلك، فإن الأردن بحاجة إلى تسريع الإصلاحات الاقتصادية، وتحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز التنافسية، والاستثمار في البنية التحتية المادية والرقمية، وتقديم نفسه كمنصة إقليمية للأعمال والابتكار والخدمات ذات القيمة المضافة العالية. فالمنافسة اليوم ليست بين الدول الأكثر استقراراً فقط، بل بين الدول الأكثر جاهزية.
وفي نهاية المطاف، فإن التحدي الاقتصادي الأكبر الذي يواجه الأردن لا يتمثل في كيفية إدارة الموارد المحدودة بصورة أكثر كفاءة فحسب، بل في كيفية توسيع القاعدة الاقتصادية الوطنية نفسها. فكل دينار إضافي من الناتج الاقتصادي يعني فرص عمل جديدة، وإيرادات إضافية للدولة، وقدرة أكبر على الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية. ولذلك فإن مستقبل الأردن الاقتصادي لن يُقاس فقط بحجم الموازنات أو عدد المبادرات التي يتم إطلاقها، بل بقدرتنا على بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية وانفتاحاً على الاستثمار والابتكار.
إن الدول التي تنجح في القرن الحادي والعشرين ليست تلك التي تتقن الإدارة فقط، بل تلك التي تنجح في توسيع دائرة الفرص لمواطنيها. ومن هنا، فإن السؤال الاستراتيجي الذي يجب أن يوجه السياسات العامة خلال السنوات القادمة ليس كيف نقتسم اقتصاداً محدود الحجم بصورة أفضل، بل كيف نجعل الاقتصاد الأردني أكبر وأكثر إنتاجية وأكثر قدرة على المنافسة. لأن الاقتصاد الأكبر لا يخلق وظائف أكثر فقط، بل يمنح الدولة قدرة أكبر على تمويل الخدمات العامة، وتحسين مستويات الدخل، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وتحويل الطموحات الوطنية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.
الأردن لا يحتاج إلى وظائف أكثر فقط. الأردن يحتاج إلى اقتصاد أكبر. فعندما يتوسع الاقتصاد، تتوسع معه الفرص، وتتنوع الخيارات، وتزداد قدرة الدولة والمجتمع على الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والخدمات العامة. فالنمو الاقتصادي ليس غاية بحد ذاته، بل هو الوسيلة التي تُمكّن الدول من بناء مستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة، وتمنح الأجيال القادمة فرصاً أوسع للنجاح والإنتاج والمشاركة في بناء الوطن.
* عضو مجلس بلدية منتخب في لندن – المملكة المتحدة، وعضو منتخب في لجنة تطوير السياسات في حزب الخضر في إنجلترا وويلز، وأكاديمي ومتخصص في الاستراتيجية والسياسات العامة والتنمية.