من ندرة المياه إلى كفاءة الاستخدام: كيف نجعل كل قطرة أكثر قيمة؟
د. حمد الكساسبة
22-06-2026 11:01 AM
كثيرًا ما يُقال إن الأردن من أكثر الدول فقرًا بالمياه، وهذه حقيقة لا خلاف عليها. لكن المشكلة لا تقف عند الندرة وحدها. فالسؤال الأهم اليوم هو: كيف نستخدم المياه القليلة التي نملكها؟ وهل تتحول كل قطرة إلى قيمة حقيقية في الزراعة، والصناعة، والخدمات، وحياة الناس؟ هنا يصبح ملف المياه قضية اقتصادية، وليس مجرد ملف خدمي أو بيئي.
ومن هنا، لا يملك الأردن رفاهية التعامل مع المياه كأنها مورد واسع. فكل متر مكعب له كلفة، وكل ضعف في الإدارة ينعكس على الاقتصاد والمواطن. وإذا كان البلد يعاني من شح شديد، فإن المنطق يفرض أن تكون إدارة هذا المورد أكثر دقة. لذلك لا يكفي أن نسأل: من أين نأتي بالمياه؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: كيف نقلل الفاقد؟ وكيف نرفع العائد من المياه المتاحة؟
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما ننظر إلى المياه التي تضيع في الشبكات، أو لا تتحول إلى خدمة أو إنتاج. فهذه المياه تمثل خسارة اقتصادية لا مجرد مشكلة فنية. كما أن توجيه المياه إلى استخدام منخفض القيمة يعني أن البلد لا يحصل على عائد مناسب من مورد نادر. لذلك، فإن الحديث عن كفاءة استخدام المياه لا يعني اتهام أحد بالهدر، بل يعني البحث عن إدارة أذكى لمورد شديد الحساسية.
وتظهر هذه الفكرة بوضوح أكبر في الزراعة. فالزراعة قطاع مهم للأمن الغذائي وللمجتمع وللاقتصاد، ولا يجوز التعامل معها كعبء فقط. لكنها في بلد شحيح المياه تحتاج إلى اختيارات أدق: ماذا نزرع؟ وكيف نزرع؟ وكم قيمة ننتج من المياه المستخدمة؟ فالمطلوب ليس تقليل أهمية الزراعة، بل جعلها أكثر ذكاءً، من خلال محاصيل أعلى قيمة، وري أكثر كفاءة، وربط أوضح بالتصنيع الغذائي والتصدير.
لكن كفاءة استخدام المياه لا تتوقف عند الزراعة وحدها. فالفندق، والمصنع، والمدينة، والمزرعة، كلها تحتاج إلى الماء، لكن الفرق الحقيقي يكون في طريقة الإدارة. هناك منشأة تستهلك كثيرًا دون رقابة كافية، وأخرى تستخدم التكنولوجيا وتعيد الاستخدام وتخفض الفاقد. لذلك يجب أن يصبح السؤال حاضرًا في كل قطاع: كيف نحافظ على الخدمة والإنتاج دون زيادة الضغط على الموارد؟
ولكي لا يبقى هذا الكلام عامًا، يمكن للأردن أن يبدأ بقياس العائد من كل متر مكعب ماء. هذا المقياس لا ينظر فقط إلى الكمية المستخدمة، بل إلى ما ينتج عنها من دخل، وفرص عمل، وأمن غذائي، وقيمة مضافة. فإذا كان هناك استخدام يستهلك مياهًا كثيرة ويعطي عائدًا محدودًا، فيجب مراجعته. وإذا كان هناك استخدام أقل استهلاكًا وأكثر أثرًا، فيجب تشجيعه وتوسيعه.
ومن هذا المنطلق، يجب أن يكون تقليل الفاقد أولوية اقتصادية لا فنية فقط. فكل متر مكعب يتم توفيره من التسرب أو ضعف الشبكات أو سوء القياس هو مورد إضافي دون الحاجة إلى مصدر جديد. وهذا يتطلب استثمارًا في الشبكات، والعدادات، والرقابة، والتكنولوجيا، وإدارة الطلب. فالأردن يحتاج إلى مصادر مياه جديدة، لكنه يحتاج أيضًا إلى حماية ما يملكه أصلًا من الضياع.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أهمية المشاريع الكبرى مثل الناقل الوطني، بوصفه مشروعًا استراتيجيًا لتعزيز الأمن المائي في الأردن. غير أن هذا المشروع، على أهميته، لن يلغي وحده الفجوة المائية بشكل كامل، بل سيخففها ويمنح الأردن مساحة أكبر للتحرك. لذلك، فإن زيادة كميات المياه يجب أن تسير بالتوازي مع تقليل الفاقد، وتحسين إدارة الشبكات، ورفع قيمة كل متر مكعب يصل إلى الناس والقطاعات المنتجة.
ولأن إدارة المياه لا تنفصل عن كلفة التشغيل، فلا يمكن فصل هذا الملف عن الطاقة والتكنولوجيا. فكلفة ضخ المياه ونقلها ومعالجتها مرتبطة بالطاقة، وأي تحسن في كفاءة الطاقة ينعكس على كلفة المياه. كما أن التكنولوجيا تساعد في كشف التسرب، وتحسين الري، ومراقبة الاستهلاك، وتوجيه القرار بشكل أفضل. لذلك فإن ملف المياه لا يجب أن يبقى منفصلًا عن سياسات الطاقة والزراعة والصناعة والابتكار.
وبالإضافة إلى الحلول المحلية، يمكن للأردن أن يستفيد من خبرات الدول التي نجحت في إدارة المياه، خصوصًا في تقليل الفاقد، وإعادة الاستخدام، وترشيد الاستهلاك. فالمطلوب ليس نقل تجارب الآخرين كما هي، بل اختيار ما يناسب واقع الأردن وتطبيقه تدريجيًا. فإدارة المياه لم تعد مسألة موارد فقط، بل مسألة معرفة وتكنولوجيا وشراكات ذكية.
في النهاية، سيبقى الأردن بلدًا محدود المياه، لكن هذا لا يعني أن يبقى محدود الفرص. فالتحدي الحقيقي ليس في الندرة وحدها، بل في طريقة التعامل معها. وإذا استطاع الأردن أن يقلل الفاقد، ويرفع كفاءة كل متر مكعب، ويوجه المياه نحو استخدامات أعلى قيمة، فإن شح المياه يمكن أن يتحول من قيد ثقيل إلى دافع للكفاءة والإبداع. والسؤال الحقيقي ليس فقط: من أين نأتي بالمياه؟ بل: كيف نجعل كل قطرة ماء أكثر قيمة؟