المشكلة ليست في الكلمة بل في الواقع الذي أنطقها ..
د. صبري الدباس
22-06-2026 05:49 PM
في كل مرة تُطرح فيها قضية عامة تمس حياة الناس ، ينشغل البعض بطريقة التعبير عنها أكثر من انشغاله بحقيقة المشكلة نفسها. فتتحول الأنظار إلى المفردات ، بينما يبقى الواقع الذي أنتجها حاضراً بكل تفاصيله وتحدياته.
لقد أثبتت التجارب أن تجميل المشكلات لا يؤدي إلى حلها ، وأن اللغة الناعمة مهما بلغت أناقتها لا تستطيع إخفاء خلل يراه الناس بأعينهم ويلامسونه في تفاصيل حياتهم اليومية. فالمواطن لا يبحث عن خطابات منمقة بقدر ما يبحث عن اعتراف صريح بالواقع ، وإرادة حقيقية لتغييره نحو الأفضل.
الصراحة ليست خروجاً عن الذوق العام ، بل هي في كثير من الأحيان تعبير عن المسؤولية والشفافية واحترام عقول الناس.
فالواقع المتعثر لا يصبح أفضل بمجرد استبدال أوصافه بألفاظ أكثر لطفاً ، كما أن المشكلات لا تتراجع أمام البلاغة اللغوية بقدر ما تتراجع أمام الإرادة والإصلاح والعمل الجاد.
إن المجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تمتلك الشجاعة للاعتراف بأخطائها قبل أن تبحث عن حلولها ، لأن أول طريق الإصلاح يبدأ بتشخيص دقيق وصادق للخلل ، بعيداً عن المجاملات أو محاولات تلميع الصورة على حساب الحقيقة.
ولعل ما يقدّره الناس اليوم أكثر من أي وقت مضى هو ذلك الخطاب الذي يحترم وعيهم ، ويخاطبهم بلغة واضحة لا تحتمل التأويل ، فالصدق وإن كان قاسياً أحياناً يبقى أكثر قبولاً من كلمات جميلة تخفي وراءها واقعاً مؤلماً.
إن الأوطان لا تُبنى بالشعارات ، ولا تتقدم بالمبالغة في رسم صورة مثالية للواقع ، بل تنهض عندما يُسمّى الخلل باسمه ، وتُوضع اليد على مواضع التقصير بشجاعة ومسؤولية ، لتبدأ بعدها رحلة الإصلاح الحقيقية.
وفي النهاية ، يبقى السؤال الأهم ::: هل المشكلة في الكلمة التي وصفت الواقع ، أم في الواقع الذي فرض على الناس سماع تلك الكلمة ؟ فالعاقل لا ينشغل بجرس العبارة بقدر ما ينشغل بمعالجة السبب الذي أوجدها ، لأن الأوطان تحتاج إلى حلول أكثر مما تحتاج إلى مساحيق لغوية تخفي الحقائق لبعض الوقت.