عندما يندحش في الإعلام عديمو الخبرة والثقافة
محمد مطلب المجالي
24-06-2026 09:51 AM
الإعلام رسالة ومسؤولية قبل أن يكون مهنة أو وسيلة للظهور والشهرة. وحين يقتحم ساحته أشخاص يفتقرون إلى الخبرة والثقافة وأبسط قواعد العمل الإعلامي، يصبح المشهد مشوهاً وتضيع البوصلة بين الرأي والمعلومة، وبين المهنية والارتجال.
لقد بات المتابع يلحظ في بعض المنصات والبرامج حضور أشخاص لا يملكون أدوات الحوار، ولا ثقافة عامة تؤهلهم للحديث في الشأن العام، فيتحول النقاش إلى فوضى، وتغيب الحقائق، وتحضر المبالغات والانفعالات التي لا تخدم المجتمع ولا ترفع من مستوى الوعي.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تمنح بعض عديمي الكفاءة مساحة للتأثير في الرأي العام، في وقت يحتاج فيه الوطن إلى إعلاميين يمتلكون المعرفة والخبرة والقدرة على نقل الحقيقة بمهنية ومسؤولية. فالإعلام ليس استعراضاً للأصوات المرتفعة، ولا سباقاً نحو الشهرة السريعة، بل هو علم وخبرة وتراكم معرفي واحترام لعقول الناس.
وللأسف، أصبح بعض من يملكون هاتفاً محمولاً أو حساباً على إحدى المنصات يعتقدون أنهم باتوا إعلاميين ومحللين وخبراء في كل شيء، فيتحدثون في السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة دون تأهيل أو معرفة حقيقية، فيسيئون إلى أنفسهم وإلى المتلقين وإلى المهنة ذاتها.
أما من لا يملك مقومات العمل الإعلامي من علم وخبرة وثقافة وحسن تقدير للمسؤولية، فالأجدر به أن يفسح المجال لأصحاب الكفاءة والاختصاص، وأن يكتفي بمتابعة المشهد من مقاعد المشاهدين والمستمعين حتى يمتلك الأدوات التي تؤهله للحضور. فالإعلام ليس ساحة للتجارب العابرة ولا منصة لإشباع حب الظهور، بل رسالة وطنية وأخلاقية تتطلب التأهيل والمعرفة والقدرة على التأثير الإيجابي في المجتمع. ومن يتصدر المشهد دون استحقاق لا يسيء إلى نفسه فحسب، بل يسيء إلى المهنة وإلى وعي الجمهور الذي يستحق إعلاماً مسؤولاً يرتقي بعقله ويحترم ثقافته.
ولا يعني ذلك التعميم، فالساحة الإعلامية تزخر بكفاءات وطنية محترمة وصحفيين وإعلاميين مهنيين قدموا للوطن الكثير، وما زالوا يحملون رسالة الإعلام النبيلة بكل أمانة واقتدار. لكن وجود بعض النماذج غير المؤهلة يسيء إلى المهنة ويشوه صورتها أمام الجمهور.
ومن هنا فإن المسؤولية تقع على الجهات المختصة والمؤسسات الإعلامية لوضع معايير أكثر صرامة في اختيار من يتصدر المشهد الإعلامي، حفاظاً على مكانة الإعلام ودوره التنويري، ومنعاً لتحويل المنابر الإعلامية إلى ساحات مفتوحة لكل من يبحث عن الظهور دون امتلاك الحد الأدنى من المعرفة والخبرة.
فالإعلام الواعي يبني الأوطان ويصنع الوعي ويحفظ الحقيقة، أما الإعلام المرتجل فيربك العقول ويشوه الحقائق ويمنح المساحة لمن لا يستحقها. وعندما يصبح الوصول إلى المنابر أسهل من امتلاك الكفاءة، فإن المشهد كله يدفع الثمن، وتصبح الحاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار للخبرة والثقافة والمهنية، لأنها وحدها القادرة على حماية الإعلام من العبث وصيانة رسالته النبيلة.