السلط .. مدينة الثقافة بلا دارة للثقافة
م. عبد الغني طبلت الايوبيين
24-06-2026 08:42 PM
لا يستقيم الحديث عن الهوية الثقافية والحصيلة المعرفية للوطن دون أن تتبوأ مدينة السلط صدارة المشهد ، فهي الحاضرة العريقة التي تم إدراجها على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو كمدينة للتسامح والضيافة الحضرية ، وهي المكمن الذي يحتضن بين طياته طبائع وسلوكيات السلم المجتمعي ويذود عنها بشدة ، وهي المرجعية الحانية التي يعتز ويفتخر أهلها بأخلاقيات الوئام المجتمعي ويتشبثون عبرها بسلوكيات التفاعل البيني والعيش المشترك
وبالرغم من انها تعتبر مدينة الأوائل بوجود مدرستها الثانوية الموغلة بالعراقة ، والتي رفدت وطننا الغالي بالكثير من رجالاته ومفكريه ومثقفيه ، الا ان السلط تعيش اليوم مفارقة غريبة تستحق التأمل والوقوف عندها ، تتمثل في انها وكمدينة مولدة وحاضنة للثقافة والفكر والمعرفة ، تفتقر لوجود "دارة للثقافة" تمكن من احتضان مخزونها وإرثها الثقافي المتواتر الذي تتميز به ، والمحافظة على ديمومته بطريقة مؤسسية
وبمقارنة عابرة بين السلط وسائر مدن المملكة ، هناك مفارقة غير معتادة ، فبينما تحظى تلك المدن بمراكز ثقافية نموذجية لاحتضان الأنشطة والفعاليات ، ظلت فعاليات وأنشطة مدينة السلطُ رهينة للقاعات والمساحات المؤقتة (مستأجرة في كثير من الأحيان) ، واستمرت بالاعتماد على المبادرات الفردية التي لاتفي بمقتضيات الاستمرارية والديمومة ، والاتكال على جهود الهيئات الثقافية وذات العلاقة ، التي غالبا ماتفتقد للمكان الدائم والمناسب لتنفيذ اجنداتها
مع التنويه الى ان عدم وجود دارة ثقافية (كأداة للاحتواء المؤسسي) لايعد نقصا في البنية المعنية بالفكر والثقافة والمعرفة فحسب ، بل هو سبب في ارباك الإرث الحضاري للمدينة وانسيابيته ، وعامل سلبي يسهم في تشتيت الطاقات الواعدة (قادة المستقبل) ، سيما وان وجود هذه الدارة (الحاضنة) سيعزز من امكانياتهم ، وسيدعم مواهبهم بشتى المجالات الثقافية والمجتمعية والوطنية ، وسيزيد من فرص توجههم نحو الاستثمار السياحي الثقافي
إن إنشاء "دارة السلط الثقافية" اسوة بغيرها من المدن الأردنية ، لا يعد ترفا أو رفاهية ، بل هو ضرورة استراتيجية مُلحّة ، ومحرّك ثقافي وسياحي ينبض بالحياة ، قادر على الاستقطاب عبر فعاليات وانشطة رصينة ، تعمل على استعراض تاريخ المدينة وتأكيد هويتها ، وإعادة الروح واسترجاع الألق لوسطها التاريخي ، وإيصال ماضيها العريق بحاضرها المتجدد ، مع التأكيد على أن وضع السلط على الخارطة السياحية يتطلب حركة ثقافية موازية ، تسهم في تنشيط كل مايتعلق بالسياحة الثقافية
اننا نهيب بمعالي وزير الثقافة المتميز بعطائه وتوجهاته ، الإسراع في إخراج "دارة السلط الثقافية" الى حيز الوجود لتكون منارة تليق بتاريخ المدينة ، وموئلا يجمع كل اجيالها ، ومرجعا يحفظ إرثها الحضري ليبقى حيا ومستداما ، ومنصة تنقل هذا الارث للأجيال القادمة بأبهى حلة ممكنة ، كي تظل المدينة وكما كانت دائما ، منصة متقدمة للثقافة والفكر والمعرفة ، ومصدراً ملهما للوعي اليقظ والالتزام المسؤول ، وقاعدة راسخة للانتماء للوطن والولاء لقيادته الهاشمية المظفرة ،،،