بين زينة الحرب وقبحها… وجمال الأمن والسلام
د. عبدالحفيظ العجلوني
25-06-2026 12:38 PM
قال الشاعر الحكيم زهير بن أبي سلمى:
الحَرْبُ أَوَّلُ ما تكونُ فَتِيَّةً
تَسْعَى بِزِينَتِها لِكُلِّ جَهُولِ
حتى إذا اسْتَعَرَتْ وَشَبَّ ضِرَامُها
عَادَتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ خَلِيلِ
شَمْطَاءَ جَزَّتْ رَأْسَهَا وَتَنَكَّرَتْ
مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ
تُعد هذه الأبيات من أكثر النصوص الأدبية تعبيرًا عن التحول العميق في طبيعة الحروب؛ بين بداياتها التي تتلفّع برداءٍ جذاب، ومآلاتها التي تكشف عن نتائج إنسانية قاسية. فالحرب في مستهلّها غالبًا ما تُقدَّم ضمن سرديات تحمل معاني النصر أو الكرامة أو الردع، ما يجعلها مؤثرة في العواطف وموجهة للرأي العام، ويُضعف في أحيان كثيرة إدراك كلفتها الفعلية.
غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن مسار النزاعات المسلحة، بمجرد انطلاقه، يتجاوز الأهداف المعلنة، ليُنتج آثارًا واسعة تمتد إلى الإنسان والمجتمع والاقتصاد. وتشمل هذه الآثار خسائر بشرية، وتدمير البنى التحتية، واضطراب النشاط الاقتصادي، إضافة إلى انعكاسات طويلة الأمد على استقرار المجتمعات وتماسكها.
وفي المقابل، يميز التحليل السياسي والقانوني بين أنواع مختلفة من النزاعات المسلحة، إذ توجد حالات يرتبط فيها استخدام القوة بمفاهيم الدفاع عن النفس أو حماية السيادة أو مواجهة اعتداء خارجي. وقد أُطر هذا التمييز في القانون الدولي، ولا سيما في ميثاق الأمم المتحدة، الذي يقرّ بمبدأ حظر استخدام القوة مع استثناءات محددة في حالات الدفاع الشرعي أو التفويض الدولي.
أما خارج هذه الأطر، فإن العديد من التجارب التاريخية والمعاصرة تُظهر أن الحروب التي تنشأ نتيجة تصاعد التوترات السياسية أو النزاعات القومية أو الاعتبارات الأيديولوجية غالبًا ما تؤدي إلى نتائج تتجاوز أطرافها المباشرين، لتشمل الإقليم الأوسع، بما في ذلك تراجع مؤشرات التنمية، وارتفاع كلفة إعادة الإعمار، وتراجع مستويات الاستقرار.
وعلى النقيض من ذلك، يُعد الأمن والاستقرار من المفاهيم المركزية في الدراسات السياسية والتنموية، رغم أنهما لا يحظيان دائمًا بالاهتمام نفسه الذي تحظى به حالات الصراع. فالأمن يمثل الإطار الذي تعمل داخله المؤسسات، وتستمر عبره الأنشطة الاقتصادية والتعليمية والصحية، وتُبنى فيه خطط التنمية طويلة الأمد.
ولا يعني الاستقرار غياب الخلافات أو اختلاف المصالح، بل يشير إلى وجود آليات مؤسسية وقانونية لإدارة هذه الخلافات ومنع تحولها إلى مواجهات عنيفة. وتُظهر المقارنات الدولية أن المجتمعات التي نجحت في تعزيز هذه الآليات حققت قدرًا أعلى من الاستمرارية في التنمية وتحسين جودة الحياة.
وتشير التجارب التاريخية إلى أن الكلفة الكلية للنزاعات المسلحة لا تقتصر على الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى تعطيل مسارات التنمية، وإعادة توجيه الموارد نحو الإنفاق العسكري وإعادة الإعمار، على حساب القطاعات الإنتاجية والخدمية، بما ينعكس على المدى الطويل في تباطؤ النمو الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى السلام ليس باعتباره غيابًا مؤقتًا للصراع، بل باعتباره بنية مستدامة تقوم على إدارة التباينات بالوسائل السلمية، وتعزيز العدالة النسبية، وتطوير التعاون بين الدول والمجتمعات.
وبهذا المعنى، فإن الحرب، رغم أنها قد تفرض نفسها في بعض السياقات باعتبارها خيارًا مرتبطًا بالدفاع أو الضرورة، تبقى خيارًا عالي الكلفة في ضوء نتائجها الممتدة. في المقابل، يشكل الأمن والاستقرار أساسًا لاستدامة المجتمعات وقدرتها على التطور.
وتبقى دلالة بيت زهير بن أبي سلمى حاضرة بوصفها تصويرًا رمزيًا للتحول من البدايات الجذابة للصراع إلى نتائجه الفعلية، وهو تحول يتكرر في التجربة الإنسانية عبر مختلف العصور.
وفي المحصلة، تشير التجربة التاريخية والمعطيات السياسية المعاصرة إلى أن تعزيز الاستقرار، وتطوير آليات تسوية النزاعات، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات، تمثل عناصر أساسية للحد من الانزلاق إلى الصراعات، ولضمان مسارات أكثر استدامة للتنمية والازدهار.