عمان الوفاق .. عندما يلتقي القرار العربي
السفير جمعة العبادي
26-06-2026 04:38 PM
لم يكن انعقاد الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب، والدورة (165) المستأنفة لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في عمان عاصمة الوفاق والاتفاق ، مجرد استحقاق تنظيمي دوري، بل حمل في توقيته ومكان انعقاده رسائل سياسية ودبلوماسية بالغة الدلالة، في مرحلة تُعد من أكثر المراحل حساسية وتعقيداً التي تمر بها المنطقة العربية منذ عقود.
لقد جاءت استضافة المملكة الأردنية الهاشمية لهذا الاجتماع في ظل مشهد إقليمي يتسم بتسارع الأحداث، وتشابك الأزمات، وتعدد بؤر التوتر، الأمر الذي أعاد التأكيد على المكانة التي يحتلها الأردن باعتباره دولة اعتدال وحوار، وقبلةً للتوافق العربي، ومنصةً موثوقةً لإدارة الحوار بين الأشقاء بعيداً عن الاستقطابات والمحاور.
وليس مستغرباً أن تكون عمّان مقراً لهذا اللقاء العربي، فالأردن كان منذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 عضواً مؤسساً شارك في صياغة ميثاقها، وظل على امتداد أكثر من ثمانية عقود مؤمناً بأن قوة العرب تكمن في وحدتهم، وأن العمل العربي المشترك هو السبيل الأمثل لحماية الأمن القومي العربي وصيانة المصالح العليا للدول العربية.
وعلى امتداد تاريخ الجامعة العربية، لم يتعامل الأردن مع هذه المؤسسة بوصفها إطاراً أو محفلاً بروتوكولياً، وإنما باعتبارها البيت العربي الجامع، الذي يجب الحفاظ عليه وتعزيز دوره وتطوير آلياته بما يواكب حجم التحديات والمتغيرات. ومن هنا جاءت السياسة والديبلوماسيه الأردنية ثابتة في دعم الجامعة العربية، ولم يسجل لها غياباً عن اجتماعاتها وتحركاتها وأنشطتها ، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الجامعة تعكس الإرادة الجماعية للدول الأعضاء، وتمثل المظلة السياسية التي تصوغ المواقف العربية المشتركة تجاه القضايا والتحديات الإقليمية والدولية.
وقد ناقش الوزراء خلال اجتماعهم مجموعة واسعة من الملفات التي تعكس حجم التحديات التي تواجه الأمة العربية، وفي مقدمتها التطورات الإقليمية المتسارعة وما تفرضه من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية على الدول العربية، في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة.
وبالتأكيد كانت القضية الفلسطينية في صدارة جدول الأعمال، باعتبارها القضية المركزية للأمة العربية، حيث جدد الوزراء رفضهم للانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة والضفة الغربية، وما تتعرض له القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية من إجراءات أحادية تستهدف تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم. مؤكدين ضرورة الوقف الفوري للحرب والأعمال العدوانية الاسرائيليه في غزة، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية، ورفض سياسات التهجير القسري، ورفضهم وإدانتهم للتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية ، والتأكيد على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ، والتأكيد على أن السلام العادل والشامل لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
كما تناول الاجتماع تطورات الملف الإيراني، في ضوء ما تشهده المنطقة من تصعيد، وما ارتبط بذلك من المفاوضات الأمريكية الإيرانية، ومذكرة التفاهم بين الجانبين ، وانعكاساتها المحتملة على أمن واستقرار الإقليم . وأكد الوزراء أهمية تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، وتجنب أي تصعيد من شأنه توسيع دائرة الصراع أو تهديد الأمن الإقليمي.وكذلك التأكيد على اهمية أمن وسلامة وسيادة الدول العربية وحقها المطلق في حماية أراضيها وأجواءها في حال تعرضها لاعتداءات أو انتهاكات تمس سيادتها وأمنها وأمن مواطنيها ، والتأكيد على مبدأ الاحترام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة .
وفي السياق ذاته، حظي أمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز باهتمام بالغ ، نظراً
لأهميته الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية ، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية العالمية للتجارة والطاقة. وأكد المجتمعون ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة، وضمان أمن خطوط التجارة الدولية، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي، وعلى اقتصادات الدول العربية.
أما الملف اللبناني، فقد استحوذ على جانب مهم من المناقشات، حيث جرى التأكيد على دعم لبنان ومؤسساته الدستورية، وضرورة المحافظة على أمنه واستقراره ووحدته الوطنية، ومساندته في مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والمخططات العدوانية الاسرائيليه التي يتعرض لها .
وفيما يتعلق بالشأن السوري، شدد الاجتماع على أهمية الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، ودعم كل الجهود الرامية إلى تعزيز أمنها واستقرارها، بما يحفظ مؤسسات الدولة ويحقق تطلعات الشعب السوري، ويضمن عودة سوريا إلى دورها الطبيعي في محيطها العربي، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي أسهمت في تعقيد الأزمة خلال السنوات الماضية.
لقد أكدت مداولات الاجتماع أن المنطقة العربية تواجه مرحلة دقيقة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي يجعل من توحيد الموقف العربي ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار أو تكتيك سياسي. فالتحديات العابرة للحدود، سواء الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية، لا يمكن التعامل معها بفاعلية إلا من خلال موقف عربي موحد ومتماسك، ورؤية مشتركة، وآليات تشاور وتنسيق فعالة.
وفي هذا السياق، برز الدور الأردني مجدداً كعامل توازن وحكمة، مستنداً إلى سياسة خارجية ، يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني وتنتهجها الديبلوماسية الأردنية ، تقوم على الاعتدال، واحترام القانون الدولي والشرعية الدولية ، والدفاع عن القضايا العربية ، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والعمل على تقريب وجهات النظر العربية، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية وصولاً إلى تفاهمات ومواقف مشتركة تحقق الأهداف والمصالح العربية المنشودة .
ومن مخرجات الاجتماع، تعيين الوزير والدبلوماسي المصري السابق الدكتور نبيل فهمي أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، خلفاً للسيد أحمد أبو الغيط ، وهو اختيار يعكس الثقة بخبرة دبلوماسية عربية مشهود لها، ويأتي في مرحلة تتطلب تطوير أداء الجامعة وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، بما يمكّنها من مواكبة التحولات المتسارعة، وتعزيز قدرتها على حماية المصالح العربية المشتركة. وفي هذا السياق فإن
نجاح أي أمين عام للجامعة العربية يبقى مرهوناً، قبل كل شيء، بمدى الدعم السياسي الذي توفره الدول الأعضاء، لأن الجامعة ليست كياناً مستقلاً أو منفصلاً عن إرادة الدول العربية، وإنما هي التعبير المؤسسي عن إرادتها الجماعية والمشتركة ، وكلما توفرت الإرادة السياسية العربية الموحدة أو التوافقية ، ازدادت قدرة الجامعة على أداء رسالتها وتحقيق أهدافها ،وعليه نتمنى لمعالي الأمين العام الجديد النجاح والتوفيق والسداد في مهمته .
لقد أكدت اجتماعات عمّان مجدداً أن الأردن سيظل وفياً لدوره التاريخي في خدمة العمل العربي المشترك وأن عمّان العروبه ستبقى مساحة وحاضنة آمنة للحوار العربي، ومنبراً لإنتاج التوافق، وجسراً للتلاقي والتقارب بين الأشقاء، في وقت تحتاج فيه الأمة العربية إلى مزيد من الوحدة، وإعلاء المصالح المشتركة، وترسيخ نهج التضامن في مواجهة التحديات والمخاطر والأنواء التي تعصف بالإقليم.
ففي زمن تتعدد فيه الأزمات وتتشابك فيه المصالح، تبقى الكلمة العربية الموحدة هي الركيزة والسلاح الأقوى، وتبقى الجامعة العربية، رغم كل التحديات، الإطار الجامع الذي يتوجب دعمه وتعزيزه وتطويره، لأنها المرآة التي تعكس إرادة الدول العربية، والمنصة التي تُصاغ فيها ملامح الموقف العربي المشترك، دفاعاً عن الأمن القومي العربي، وصوناً لاستقرار المنطقة ومستقبل شعوبها .