facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




منبر الجمعة .. أمانة الرسالة وصناعة وعي الأمة


فيصل تايه
26-06-2026 04:53 PM

حين يحل يوم الجمعة، حيث موعدنا الأسبوعي مع منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يكون هذا الموعد مجرد اجتماع لأداء شعيرة عظيمة، بل يكون موعداً مع منبرٍ حمل في تاريخ الإسلام أعظم الرسائل، واضطلع بأثقل الأمانات ، وكان على الدوام صوتاً للهداية والإصلاح وبناء الإنسان .

ذلك المنبر الذي لم يكن يوماً مكاناً لتكرار الكلمات دون أن تمتد دائماً إلى واقع الناس وحاجاتهم ، بل كان مدرسةً لبناء الإنسان، ومنارةً لصناعة الوعي، ومجالًا لإصلاح المجتمع، وتوجيه الأمة نحو ما يصلح دينها ودنياها.

فخطبة الجمعة ليست مجرد حديث يُلقى، ولا معلومات تُستعرض، وإنما هي خطابٌ للأمة؛ يخاطب العقل والوجدان والسلوك، ويربط بين هداية الوحي وحركة الحياة، ويجعل من القيم الدينية قوةً حاضرة في واقع الناس.

وقد صدق الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله حين قال:

"الخطابة يوم الجمعة من أكبر أبواب الوعظ، فإذا صلحت صلح بصلاحها فساد الأمة، وإن فسدت أفسدت."

فالكلمة التي تخرج من فوق المنبر ليست كغيرها من الكلمات؛ لأنها تصل إلى الناس في لحظة إيمانية عميقة، وتمتلك قدرة كبيرة على التأثير في النفوس، ولذلك فإن العناية بها ليست شأنًا ثانويًا أو إجراءً روتينيًا، بل مسؤولية تتصل ببناء الإنسان، وتحصين المجتمع، وتعزيز استقراره الفكري والاجتماعي.

لقد كان منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضراً في حياة الناس بكل تفاصيلها؛ فإذا ظهرت حاجة إلى توجيه وجّه، وإذا احتاج المجتمع إلى إصلاح أصلح، وإذا برز سلوك يهدد القيم نبّه وحذّر. لم يكن المنبر منفصلًا عن الواقع، بل كان يقود الواقع بالقيم والمبادئ.

ومن هنا فإن عظمة المنبر لا تُقاس بعدد الكلمات التي تُقال من فوقه، وإنما بقدرته على إحداث أثر حقيقي ومستدام في حياة الناس.

وهنا يبرز سؤال جوهري تفرضه تحولات العصر:

كيف نستطيع أن نعيد لخطبة الجمعة دورها الريادي في صناعة الوعي، بحيث تكون قادرة على مخاطبة إنسان اليوم، والإجابة عن أسئلة مجتمعه، ومعالجة تحديات عصره؟

إن طرح هذا السؤال ليس انتقاصاً من جهود العلماء والخطباء، فهناك جهود مباركة وعطاءات مقدرة، وإنما هو دعوة مسؤولة إلى تطوير أداة عظيمة بحجم الرسالة التي تحملها.

وإذا كانت استعادة هذا الدور تبدأ بفهم طبيعة الرسالة التي يحملها المنبر، فإن الخطوة الأولى في نجاح هذه الرسالة تبدأ من حسن اختيار موضوعاتها وعناوينها ، اذ أن اختيار موضوعات خطب الجمعة يمثل عنصراً أساسياً في نجاح الخطاب؛ فالعنوان الذي يُرفع على المنبر ليس مجرد موضوع أسبوعي، بل هو رسالة تدخل إلى عقول الناس وقلوبهم. ولذلك فإن مسؤولية اختيار هذه الموضوعات تحتاج إلى رؤية عميقة تدرك حاجات المجتمع، وتقرأ واقعه، وتستشرف تحدياته.

فموضوع الخطبة ليس قراراً شكلياً، بل هو اختيار للأولوية التي ينبغي أن تشغل عقل المجتمع ووجدانه في مرحلة معينة؛ ولذلك فإن حسن اختيار العنوان هو بداية نجاح الرسالة قبل أن يبدأ الخطيب حديثه.

ولا يعني الحديث عن تجديد الخطاب أن نبتعد عن أصوله وثوابته، بل إن التجديد الحقيقي هو في حسن استحضار هذه الأصول وربطها بواقع الناس ، فالسيرة النبوية العطرة، وقصص الأنبياء والصالحين، والحديث عن الفضائل والقيم، كلها أبواب عظيمة للهداية والتربية، لكنها تبلغ غايتها الكبرى عندما تتحول من سرد للماضي إلى منهج للحاضر، ومن معرفة نظرية إلى طاقة إصلاحية تساعد الإنسان على مواجهة واقعه وتحدياته.

فالمطلوب ليس التقليل من شأن هذه الموضوعات العظيمة، وإنما استحضار روحها ومقاصدها لتكون نوراً يهدي واقع الناس، ويعالج قضاياهم، ويقدم لهم ما يعينهم على بناء حياتهم ومجتمعاتهم.

فالمجتمع اليوم بحاجة إلى خطاب يلامس قضاياه الحقيقية؛ خطاب يعزز مكانة الأسرة، ويحمي الشباب، ويرسخ ثقافة الحوار والاحترام، وينشر الرحمة والتسامح، ويواجه العنف والكراهية، ويعيد للإنسان شعوره بالمسؤولية تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه.

ولا يقف أثر المنبر عند حدود إصلاح الفرد والمجتمع فحسب، بل يمتد إلى ترسيخ القيم الجامعة التي تحفظ تماسك الوطن واستقراره.

كما أن لمنبر الجمعة دوراً محورياً في تعزيز الوحدة الوطنية وتماسك المجتمع؛ من خلال ترسيخ قيم الولاء والانتماء، وتقوية روابط المحبة والتعاون بين أبناء الوطن، والدعوة إلى احترام التنوع ضمن إطار الهوية الجامعة، والابتعاد عن كل خطاب يغذي الفرقة، أو يكرس الانتماءات الضيقة، أو يحول الاختلاف الطبيعي إلى حالة من الصراع والانقسام.

فالمجتمعات القوية ليست تلك التي تخلو من الاختلاف، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على إدارة اختلافاتها ضمن إطار من الاحترام والتلاحم والمصلحة العامة.

إن الوطن لا يُبنى بالأنظمة والقوانين وحدها، بل يُبنى أيضًا بالقيم التي تستقر في نفوس أبنائه؛ بالأمانة، والاحترام، والمسؤولية، والشعور بأن أمن المجتمع واستقراره وتقدمه مسؤولية مشتركة بين الجميع.

اننا اليوم ونحن نعيش في عالم تتسارع فيه حركة الأفكار كما تتسارع حركة المعلومات، تصبح الحاجة أكبر إلى خطاب واعٍ يحمي الهوية، ويعزز المناعة الفكرية، ويقدم رؤية متوازنة تواجه التطرف والغلو من جهة، وتحاصر خطابات الكراهية والانقسام من جهة أخرى.

ومنبر الجمعة من أهم المنابر القادرة على أداء هذا الدور؛ لأنه يصل إلى مختلف شرائح المجتمع، ويحظى بمكانة روحية وثقة مجتمعية لا تضاهيها كثير من الوسائل الحديثة.

ولهذا فإن الخطيب الذي يقف على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحمل مسؤولية قراءة النصوص فقط، بل يحمل مسؤولية صناعة الأثر الفكري والسلوكي. فهو مطالب بأن يحول العلم إلى وعي، والوعظ إلى سلوك، والقيم إلى ممارسة حقيقية في حياة الناس.

غير أن تحقيق هذه الأدوار الكبيرة يحتاج إلى حاملٍ قادر على ترجمة الرسالة إلى واقع، فالمكانة العظيمة للمنبر تستوجب عناية خاصة بمن يقف عليه.

ومن هنا تأتي الأهمية البالغة لمأسسة تأهيل خطباء الجمعة؛ فالعصر تغير، وأدوات التأثير تطورت، وأصبح الخطيب بحاجة إلى علم شرعي راسخ، وثقافة واسعة، ووعي اجتماعي، وفهم دقيق للواقع، إلى جانب امتلاك مهارات متقدمة في الإلقاء والتواصل والإقناع.

إن الاستثمار في تطوير الخطيب ليس استثماراً في فرد، بل هو استثمار في مجتمع بأكمله؛ لأن الكلمة الواعية قد تصنع فرقاً في الفكر والسلوك والاتجاهات، وقد تسهم في بناء جيل أكثر وعياً ومسؤولية.

إن منبر الجمعة ثروة حضارية وقوة تأثير لا ينبغي أن تُختزل في أداء شكلي أو روتيني؛ فهو قادر على تعزيز الاستقرار الفكري والاجتماعي، وتقوية النسيج الوطني، وبناء الثقة، إذا أُحسن توجيه رسالته ورُسمت له السياسات التي تليق بمكانته.

إن المطلوب ليس تغيير هوية المنبر، بل إعادة الاعتبار لدوره العظيم؛ ليبقى منبر هداية وإصلاح، يجمع ولا يفرق، يبني ولا يهدم، يفتح أبواب الأمل، ويزرع المسؤولية، ويقود المجتمع نحو الخير والنماء.

ختاماً، فإن إعادة الألق والدور الريادي لمنبر الجمعة مسؤولية تتصل ببناء الإنسان وحماية المجتمع وتعزيز وحدته ، ومن يقف على هذا المنبر، أو يختار موضوعاته، أو يشرف على رسالته، عليه أن يدرك أنه يحمل أمانة تمس وعي الأمة ومستقبل المجتمع .

فالمنبر الذي صنع أمةً في الماضي، قادر اليوم على أن يساهم في صناعة وعيها، وحماية وحدتها، وتعزيز تماسكها، إذا منحناه من العناية والمأسسة والتطوير ما يليق بمقامه الرفيع ومسؤوليته العظمى.

والله ولي التوفيق.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :