من صلب الشيح والقيصوم، وُلدنا مجدولين بكبرياء التراب، فكيف لمن نبتت جذورهم في هذا الطهر أن يعرفوا النكران. نحن شعبٌ صنع من الصمت طريقة للبقاء، ومن الكرامة لغة حياة؛ نسير فوق جمر القحط والسنوات العجاف، حفاة الأقدام إلا من خيل كرامتنا، فكلما اشتدت علينا عاديات الزمن، صعدنا إلى قمة الجوع باسمين، واعتلينا صهوة الحاجة كأننا نعتلي عرشًا من طهر وعز. نلوذ بالهدوء والوقار، نترفع عن صخب الادعاء، فيظن العابرون بنا بساطةً أو قلة حيلة، ويسيئون تقدير بأسنا الكامن؛ وما علموا أننا لا نضع عمقنا في واجهات العرض. نلتف بعباءة أنفتنا العتيقة، متدثرين بالحق، ننام تحت سقف النجوم متخففين من بريق الزيف، ونصحو وأيدينا ناصعة كثلج ليلة شتوية على جبال الشراة، مصونة عن دنس العطايا ومبرأة من بهتان التهم، ليقيننا أن الأيام والمواقف وحدهما كفيلان بإظهار معدننا الأصيل وتجلي حقيقتنا لمن استهان يوماً بصلابتنا.
لقد صغنا من جوهر الصبر دروعنا، ورثتها أجيالنا إرثًا كابرًا عن كابر؛ فنحن أبناء الوفاء قبل أن تُخط المواثيق، وأحفاد رجالٍ شادوا المجد بعرق الجباه وسخاء الدم. من آبائنا الذين كانوا خزنةً لعهود الدولة وأماناتها، حملنا الوصية المقدسة بوجدان حي؛ أن تُصان الذمم وتُحفظ أسرار الديار في الحنايا كما تُحفظ الأرواح، فنحن نحمل العهد حتى آخر الطريق، ونصون ما ورثناه من قيم الرجال. وحين نادتنا الأرض، خضنا غمار العواصف بقلبٍ يرى في التضحية شرفًا ورفعة، لنفاجئ كل من استصغر شهامتنا ببركان من فداء. رايتنا تعرف طريق الريح، كما تعرفه أشجار السنديان حين تصمد للشتاء، ثابتة في جبال عجلون، تأبى الركوع إلا لبارئها. إننا نطحن الصخر لنصنع وجودنا، ونتقاسم الكسرة اليابسة مع الصاحب، مفضلين طعم الصبر المر على مائدة ممدودة بلقمة مغموسة بالمنّة والتبعية، أو ملوثة بذل صاحب نفوذ وخنوع.
وكيف لا نكون أوفياء، وأمنا الأردنية الشامخة كقلاعنا، الطاهرة كنسيم جبالنا، قد أرضعتنا مع حليبها معنى الرجولة والوفاء. هي التي غرست فينا أن العهد مقدّس، وأن الرجال تُقاس بصلابة مواقفها ومخبوء جوهرها لا بزخرف مناصبها العابرة أو جلبة حضورها الزائف. من ثدي تلك الحرة شربنا الصدق الخالص، فصارت كرامتنا خطاً أحمر، ووفاؤنا أصلاً ثابتاً لا يتبدل بتبدل المصالح وتغير الوجوه والظروف.
وحتى في اللحظات التي يحاول الغبار تشويه وجه نقائنا، أو يظن الواهمون بوقارنا ضعفاً، نستحضر تاريخ آبائنا وأجدادنا؛ أولئك الذين كانت بنادقهم السمراء على أسوار القدس و باب الواد تعزف ألحان الفداء، فتذهل الصدمةُ من استهان بعهدهم وبأسهم. من دمائهم الطهورة استمددنا ثمن الكرامة، واستعرنا من مواقفهم معنى الفداء ليكون جوهرنا ناصعًا وحجتنا قاطعة. ونسورنا التي تسكن أعالي القمم، تحرس المدى برمش عيوننا، ونهدي الروح رخيصةً لتبقى المبادئ مصونة، والعهود مهابة.
هذا الإرثُ الشامخ هو أمانةٌ تُسلَّمُ مباشرة من يدٍ خبرت العواصف وصهرتها الخطوب، إلى أكفِّ جيلٍ جديدٍ نسكبُ في عروقه ذات الكبرياء، ونغرس في قلبه ناموس الوفاء وحفظ العهود. نسلمهم الراية عالية، بيضاء من غير سوء، ونودعهم وصية الآباء لتظل هذه الأرض ولادة بالرجال، مصونة بالوفاء, ثابتة على العهد لا تلين لها قناة.
نحن غيثٌ أينما حللنا، تنبت من خطانا بذور الخير حتى يزهر الوطن ضياءً ودفئاً. وفي الأماسي، يلتئم شمل الأوفياء في خيام الكرم، نتحلق حول نار القرى حراسًا للملح والعهد والمروءة، نترفع بأنفسنا وأصواتنا عن أسواق النفاق، والمتاجرة بالمبادئ، وبيع الذمم. هناك، نشعل العزيمة في القلوب بنبرات تسلي الروح وتواسي الجراح، معيدين صدى ذلك الصوت الخالد، صوت عرار وهو يصدح في وجداننا، مغنيًا للتراب، ومجلياً حقيقة أنفسنا؛ بأن وفاؤنا طقسنا اليومي، ووصيتنا، وأثرنا المحفور في عمق الوجود.