يبدو أن البشرية بدأت باختبار شكل جديد من غضب الطبيعة بفعل التغير المناخي - ونحن المسبب الأول له - وذلك بتوالي موجات الحر القياسية التي تضرب مختلف بقاع العالم، ومنها أوروبا هذه الأيام، حيث يواجه ما لا يقل عن 100 مليون شخص درجات حرارة تجاوزت المعدلات الصيفية السنوية المعتادة بما يتراوح بين 5 و12 درجة مئوية، وهو ما دفع مجموعة "وورلد ويذر أتريبيوشن" إلى اعتبار موجة الحر غير المسبوقة التي تشهدها أوروبا في هذا الوقت الأقوى في تاريخ القارة العجوز.
التقارير، ومنها ما نشره معهد كارلوس الثالث للصحة في العاصمة الإسبانية مدريد، تفيد "بنحو 327 حالة وفاة تم تسجيلها منذ الأحد الماضي بسبب موجة الحر الاستثنائية التي تضرب إسبانيا حاليا"، وذلك وفقا لنظام مراقبة الوفيات لديهم.
أما إذا ما نظرنا إلى عموم القارة الأوروبية، فها هي هيئة الأرصاد الجوية البريطانية "تطلق التحذير الأحمر الخاص بموجة الحر الشديدة، مع توقعات بارتفاع درجات الحرارة إلى 38 درجة مئوية في شرق إنجلترا، في واحدة من أشد موجات الحر التي تشهدها المملكة المتحدة". وقد دفع الأمر بالحكومة البريطانية إلى عقد جلسات طوارئ للتعامل مع تداعيات موجات الحر.
ولم يكن الحال أفضل في فرنسا، حيث "تواجه المستشفيات هناك حالة من الاكتظاظ، فيما أغلقت آلاف المدارس أبوابها جراء موجة الحر الشديد التي لامست درجات 40 مئوية في باريس وتخطت الـ45 مئوية في شمال وغرب البلاد". وهذا ما أدى إلى وفاة نحو 50 شخصا، وهو ما أجبر الحكومة الفرنسية "على إعلان أقصى حالات التأهب الصحي"، إضافة إلى إغلاق عدد من المفاعلات النووية التي تنتج الطاقة، ما أدى تباعا إلى انقطاع الكهرباء في عدد من المدن الفرنسية.
وفي إيطاليا، فقد أفادت وسائل إعلام بوفاة 5 أشخاص خلال الأسبوع الحالي نتيجة موجات الحر، والقائمة تطول.
يُجمع العلماء أن موجات الحر أضحت أكثر شدة وتواترا في العالم، وصولا إلى تحطيم الأرقام القياسية المسجلة نتيجة التغير المناخي الناجم تحديدا عن استعار ظاهرة الاحتباس الحراري بفعل تزايد الانبعاثات الكربونية حول العالم بسبب الاعتماد المفرط والمتزايد على مصادر الوقود الأحفوري لإنتاج الطاقة، من نفط وغاز وفحم، والتي تعمل مجتمعة على إطلاق العنان لزيادة غازات الدفيئة (ثاني أكسيد الكربون والميثان على وجه الخصوص).
وقد أدى كل ذلك، بحسب مبادرة إسناد الطقس العالمي، إلى حقيقة مفادها ”أن الفترة من عام 2015 إلى عام 2025 هي الأشد حرارة منذ بدء التسجيلات قبل 176 عاما“.
وإذا ما استمرت البشرية في تقاعسها عن مواجهة التغير المناخي، فإننا سنشهد موجات حر أكبر ووفيات بمئات الآلاف، وقد تصل الملايين، خلال السنوات القادمة.
وللعلم، فليس استعار موجات الحر من تداعيات التغير المناخي فقط، فهناك مخاطر أكبر تشمل حرائق الغابات المهلكة، والاجتياحات المهولة للهطول المطري، والأعاصير القاتلة، والفيضانات العنيفة، وذوبان الصفائح والأنهار الجليدية، والارتفاع في مستوى سطح البحر، وتفاقم درجات حرارة المحيطات وحموضتها، وغير ذلك من ظروف جوية متطرفة حول العالم تؤدي مجتمعة إلى خسائر بتريليونات الدولارات، وليس بالمليارات فقط.
الحل لما تواجهه البشرية من مستقبل مناخي قاتم يكمن في وجهة واحدة، وذلك عبر الامتثال العالمي لبنود اتفاقية باريس للمناخ المبرمة عام 2015، والتي تنص صراحة على حتمية "ألا تتجاوز درجة الحرارة حول العالم، مقارنة بالمستويات الحالية، عن العتبة الحرجة والمقدرة 1.5 درجة مئوية“، وذلك عبر الانتقال التدريجي، ولكن الجاد والسريع، إلى مصادر الطاقة الخضراء، بديلا عن الوقود الأحفوري المدمر للطبيعة.
أما إن اختارت البشرية عكس ذلك، طمعا في نهب ثروات الأرض أكثر وأكثر، فسترينا الطبيعة، وهي قادرة على ذلك، أصناف عذاب التغير المناخي، والذي لم يكشر عن أنيابه بعد!