facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ما بعد الامتثال .. لماذا تحتاج المصارف الإسلامية إلى نموذج مؤسسي جديد لصناعة القيمة؟


د. محمد فخري صويلح
27-06-2026 11:34 PM

نجحت المصارف الإسلامية خلال العقود الخمسة الماضية من عمرها في بناء منظومة متقدمة للامتثال الشرعي والرقابي، وأصبحت تمتلك أطراً مؤسسية متينة للحوكمة، وإدارة المخاطر، والرقابة الشرعية، والالتزام التنظيمي.

وقد أسهم هذا التطور في تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي الإسلامي وترسيخ مكانته داخل النظام المالي،،، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: هل يلتزم البنك بالضوابط؟ بل أصبح: هل ينتج هذا الالتزام قيمة اقتصادية ومؤسسية مستدامة؟

إن البيئة المصرفية التي تتشكل اليوم تختلف جذرياً عن تلك التي نشأت فيها الصناعة المالية الإسلامية،،، فالمنافسة لم تعد بين منتجات مصرفية متشابهة، بل بين نماذج أعمال أكثر قدرة على الابتكار، وتسريع الأداء واتخاذ القرار، وكفاءة توظيف البيانات، وتعظيم قيمة رأس المال البشري،،، وفي هذا السياق، لم يعد الامتثال هدفاً نهائياً، وإنما أصبح أحد مكونات منظومة أوسع لصناعة القيمة.

الامتثال يحمي المؤسسة، لكنه لا يقودها إلى الريادة.

وهذه الحقيقة التي ينبغي أن تكون نقطة الانطلاق لأي مجلس إدارة،، - بل لأي مؤسسة تنظيمية رقابية كذلك- يسعى إلى بناء مصرف إسلامي قادر على المنافسة خلال العقد القادم.

لقد ركزت كثير من المؤسسات على قياس عدد المخالفات، ونتائج التدقيق، ونسب الالتزام، بينما قلّ اهتمامها بقياس الأثر الحقيقي للحوكمة على الربحية، والابتكار، ورضا العملاء، وكفاءة تخصيص رأس المال،،، ومع مرور الوقت، تحولت بعض ممارسات الامتثال إلى غاية بحد ذاتها، بدلاً من أن تكون وسيلة لتحقيق أداء مؤسسي أفضل.

المصرف الإسلامي لا يحقق رسالته بمجرد تجنب المخالفات، وإنما بتحويل مبادئه إلى قيمة مضافة يشعر بها المساهم، والعميل، والموظف، والمجتمع، والجهة الرقابية في آن واحد،،، والمؤسسات لا تتفوق لأنها أكثر امتثالاً، وإنما لأنها أكثر قدرة على تحويل الامتثال إلى ميزة تنافسية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى نموذج مؤسسي جديد، يقترح الكاتب تسميته نموذج قيادة القيمة المؤسسية (Institutional Value Leadership Model – IVLM)، وهو نموذج يقوم على التكامل بين خمسة محاور رئيسية،،، ويُطرح هذا النموذج بوصفه إطاراً فكرياً أولياً قابلاً للتطوير من خلال الحوار المهني والتطبيق المؤسسي، وليس بديلاً عن الأطر الرقابية أو المعايير الشرعية القائمة:

المحور الأول هو الحوكمة الاستراتيجية؛ حيث ينتقل مجلس الإدارة من التركيز على مراقبة الأداء إلى قيادة المستقبل،،، فالمجلس لم يعد مسؤولاً فقط عن اعتماد السياسات، بل عن تحديد الاتجاهات الكبرى، واستشراف المخاطر الناشئة، والإشراف على التحول الرقمي، وتعزيز ثقافة الابتكار، وربط القرارات اليومية بالرؤية طويلة المدى.

أما المحور الثاني فهو إدارة المخاطر بوصفها أداة لصناعة الفرص،،، فالإدارة الحديثة للمخاطر لا تقتصر على الحد من الخسائر، وإنما تساعد المؤسسة على اختيار الفرص الأكثر قدرة على تحقيق عائد مستدام ضمن مستويات مقبولة من المخاطر،،، وهذه النقلة الفكرية تمثل أحد أهم الفروق بين الإدارة التشغيلية والإدارة الاستراتيجية.

ويتمثل المحور الثالث في الابتكار المنضبط ،،، فالابتكار في المصارف الإسلامية لا ينبغي أن يكون استجابة متأخرة لما يقدمه الآخرون، بل عملية مؤسسية تبدأ من احتياجات العميل ورغباته وقدرته، وتنتهي بإنتاج حلول مالية تحقق الكفاءة الاقتصادية وتلتزم بالمبادئ الشرعية في الوقت ذاته،،، إن المؤسسات التي تكتفي بإعادة صياغة المنتجات التقليدية ستجد نفسها عاجلاً أو آجلاً خارج دائرة المنافسة.

أما المحور الرابع فهو الرقابة الشرعية بوصفها شريكاً في صناعة القيمة،،، فالرقابة الشرعية مطالبة اليوم بالانتقال من التركيز على صحة العقد فقط إلى الإسهام في تحسين جودة المنتج، وكفاءة العمليات، وتعزيز الثقة، وتطوير الحلول التي توازن بين مقاصد الشريعة ومتطلبات السوق،،، فكلما شاركت الرقابة الشرعية في المراحل المبكرة للتطوير، ازدادت قدرتها على الإضافة، وانخفضت تكلفة المعالجة اللاحقة.

فالرقابة الشرعية التي تأتي بعد اتخاذ القرار تقلل المخاطر، أما الرقابة الشرعية التي تشارك في صناعة القرار فتولد القيمة.

ويبقى المحور الخامس هو بناء ثقافة مؤسسية تجعل القيمة مسؤولية الجميع،،، فلا يمكن لأي نموذج مؤسسي أن ينجح إذا بقيت الحوكمة مسؤولية إدارة، والابتكار مسؤولية إدارة أخرى، والامتثال مسؤولية جهة ثالثة،،، فالمؤسسات الرائدة هي التي تجعل جميع وحداتها تعمل ضمن هدف واحد، هو تعظيم القيمة المستدامة.

إن التحدي الحقيقي أمام المصارف الإسلامية خلال السنوات المقبلة لن يكون في مواكبة التعليمات الرقابية فحسب، وإنما في قدرتها على بناء نموذج مؤسسي يربط بين الحوكمة، وإدارة المخاطر، والابتكار، والرقابة الشرعية، والاستراتيجية، ضمن منظومة واحدة تتجه نحو تحقيق قيمة مستدامة قابلة للقياس.

ولعل من المناسب أن تبدأ مجالس الإدارات بطرح ثلاثة أسئلة في كل اجتماع: ما القيمة التي أضفناها هذا الربع؟ وما القيمة التي فقدناها؟ وما القرارات التي ستضاعف قيمة المؤسسة خلال السنوات الخمس المقبلة؟
إن الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة تكشف مستوى نضج المؤسسة أكثر مما تكشفه عشرات التقارير التشغيلية.

إن قوة المصرف الإسلامي في المستقبل لن تُقاس بعدد الضوابط التي يطبقها، بل بقدرته على تحويل تلك الضوابط إلى ثقة، والثقة إلى ابتكار، والابتكار إلى قيمة مستدامة.

لقد آن الأوان لأن تنتقل المصارف الإسلامية من مرحلة إدارة الامتثال إلى مرحلة قيادة القيمة،،، فالمؤسسات التي ستقود الصناعة في العقد القادم لن تكون الأكثر محافظة على الإجراءات، وإنما الأكثر نجاحاً في توظيف الحوكمة والشرعية والمخاطر والاستراتيجية لبناء ميزة تنافسية يصعب تقليدها،،، وهذه ليست مجرد نقلة إدارية، بل تحول في فلسفة إدارة المصرف الإسلامي، وفي تعريف النجاح المؤسسي نفسه.

إن المرحلة المقبلة من تطور المصرفية الإسلامية تستدعي من البنوك المركزية والجهات الرقابية، بالتعاون مع الخبراء والمؤسسات المالية، إعادة النظر في معايير تقييم أداء المصارف الإسلامية، بحيث لا تقتصر على مؤشرات الامتثال والملاءة والاستقرار، بل تمتد إلى قياس القيمة المؤسسية المستدامة، وجودة الحوكمة، وكفاءة الابتكار، وأثر الرقابة الشرعية في دعم النمو والتنافسية،،، فالصناعة اليوم بحاجة إلى أطر تنظيمية تشجع على تحويل الامتثال من وظيفة رقابية إلى محرك استراتيجي لصناعة القيمة،،، وعندما يصبح خلق القيمة جزءً من الثقافة التنظيمية والمعايير الرقابية معاً،،، ستكون المصارف الإسلامية أكثر قدرة على قيادة مستقبل الصناعة المالية، لا الاكتفاء بمواكبة تطوراتها،،، وقد ينعكس ذلك مستقبلاً على تطوير مؤشرات رقابية تقيس القيمة المؤسسية إلى جانب مؤشرات السلامة المالية
وأختم بالتأكيد على ضرورة تبني نموذج قيادة القيمة المؤسسية (IVLM)، الذي لا يُطرح بديلاً عن أطر الحوكمة أو إدارة المخاطر أو الرقابة الشرعية، بل يعيد تعريف العلاقة بينها، ويحفزها لتنتقل من وظائف رقابية متوازية إلى منظومة استراتيجية متكاملة يكون معيار نجاحها الأول هو قدرتها على إنتاج قيمة مؤسسية مستدامة ،،، ويمكن قياس هذه القيمة من خلال مؤشرات مثل العائد المعدل بالمخاطر، وجودة تجربة العميل، وسرعة تطوير المنتجات، وكفاءة تخصيص رأس المال، والأثر المجتمعي.

* مستشار المصرفية الإسلامية والحوكمة والاستثمار.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :