facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إيران خسرت الكثير، لكن الهيبة لم تغادر طهران


سمير حمدان - بودابست
28-06-2026 07:05 PM

في عام 1956 خرجت بريطانيا من أزمة السويس بجيشها واقتصادها ومؤسساتها، لكنها خرجت أيضًا بحقيقة أكثر قسوة من أي خسارة عسكرية، وهي أن العالم لم يعد ينظر إليها بوصفها القوة القادرة على فرض إرادتها كما كان يفعل لعقود، لم تكن الخسارة في الأرض أو السلاح، بل في الهيبة التي جعلتها يومًا مركز النظام الدولي، ومنذ ذلك الوقت أصبح واضحًا أن الدول لا تتراجع عندما تُهزم في الميدان فقط، بل عندما يبدأ الآخرون بالتشكيك في قدرتها على تحويل القوة إلى نتائج سياسية .

هذه الحقيقة تساعد على فهم المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، فالسؤال الأهم ليس عدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا حجم الأضرار التي لحقت بكل طرف، بل كيف خرجت صورة كل طرف من الحرب، لأن القوة هي ما تملكه الدولة، أما الهيبة فهي ما يعتقد الآخرون أنها قادرة على فعله بهذه القوة، ولهذا أصبحت الصورة، والمصداقية، والشرعية، عناصر لا تقل أهمية عن الجيوش والأساطيل، فالدول لا تُقاس بما تملك فقط، بل بما يعتقد خصومها وحلفاؤها أنها قادرة على فعله بما تملك .

من هذه الزاوية تبدو إيران حالة تستحق التأمل، فمن الواضح أنها تعرضت لخسائر كبيرة، واستهدفت منشآت وقدرات وشخصيات مؤثرة، ودفعت ثمنًا عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا مرتفعًا، لكن معيار النجاح في الحروب لا يقاس بحجم الضرر وحده، بل بمدى نجاحه في تغيير مكانة الدولة وسلوكها وقدرتها على التأثير، ولو كان الهدف الاستراتيجي هو إخراج إيران من معادلات المنطقة أو تحويلها إلى دولة عاجزة عن الفعل المستقل، فمن الصعب القول إن ذلك تحقق، فالدولة بقيت متماسكة، ومؤسساتها استمرت في العمل، وقدرتها على اتخاذ القرار لم تتبدد، كما أنها لم تتحول إلى طرف يفاوض على بقائه أو يبحث عن مخرج بأي ثمن، وهنا يكمن الفارق بين الخسارة والانكسار، فالدول تستطيع تعويض ما تفقده من موارد وقدرات، لكنها نادرًا ما تستعيد مكانتها إذا فقدتها .

أما إسرائيل فقد واجهت مفارقة مختلفة، فمن الناحية العسكرية أثبتت مرة أخرى امتلاكها تفوقًا عملياتيًا واستخباراتيًا واضحًا، لكنها وجدت نفسها أمام تحدٍ يتعلق بالشرعية أكثر من القوة، فعلى مدى عقود استفادت من مزيج جمع بين الردع العسكري والدعم الغربي والقبول السياسي، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا في هذا التوازن، وأصبح النقاش الدولي يتركز بصورة متزايدة حول كلفة السياسات الإسرائيلية وحدود استخدام القوة وتداعياتها الإنسانية والسياسية، وهكذا بات التحدي الحقيقي لا يقتصر على تحقيق التفوق العسكري، بل يمتد إلى الحفاظ على البيئة السياسية التي تمنحه قيمته وفاعليته .

أما الولايات المتحدة فقد واجهت اختبارًا يتجاوز نتائج المعركة نفسها، فهي ما تزال القوة العسكرية والاقتصادية الأولى في العالم، لكن نفوذها لم يقم يومًا على حجم القوة وحده، بل على الاعتقاد بأنها قادرة في النهاية على رسم مخرجات الأزمات الكبرى، غير أن العقدين الأخيرين، من أفغانستان إلى الشرق الأوسط، أظهرا أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة القدرة على فرض النتائج السياسية المرجوة، وأن إدارة الأزمات أصبحت أسهل من حسمها، وهنا يبدأ التآكل الحقيقي للهيبة، ليس لأن القوة اختفت، بل لأن الفجوة بين الإمكانات والنتائج أصبحت أكثر وضوحًا .

وقد لخّص المؤرخ بول كينيدي هذه الفكرة عندما رأى أن القوى الكبرى تبدأ التراجع عندما تتسع المسافة بين صورتها وقدرتها الفعلية على تحقيق أهدافها، ويبدو أن هذا الوصف ينسجم مع المشهد الحالي، فإيران خسرت الكثير، لكنها حافظت على صورة الدولة القادرة على الصمود والتأثير، بينما واجهت إسرائيل تحديًا متزايدًا في مجال الشرعية، وواجهت الولايات المتحدة تحديًا متزايدًا في مجال المصداقية والقدرة على الحسم .

لذلك فإن أهم ما كشفت عنه هذه المواجهة ليس من ربح ومن خسر، بل أن الهيبة أصبحت المورد الاستراتيجي الأكثر قيمة في السياسة الدولية، فالجيوش يمكن إعادة بنائها، والخسائر يمكن تعويضها، أما الهيبة فلا تُشترى ولا تُفرض بالقوة وحدها، بل تُبنى عندما يبقى الخصوم مضطرين إلى أخذ الدولة في الحسبان رغم الضربات، ويظل الحلفاء مقتنعين بأن وعودها ما زالت ذات قيمة، وكما كشفت السويس حدود القوة البريطانية، قد تُذكر هذه المواجهة بوصفها لحظة أكدت أن الهيبة أصبحت أصعب في البناء من الجيوش نفسها، ومن هذه الزاوية قد تكون إيران خسرت الكثير، لكنها احتفظت بما كان الهدف الأعمق للحرب انتزاعه منها، هيبتها .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :