ميثاق عمان الكروي: هدية الحسين للشباب في يوم ميلاده
إيليا أيمن الربضي
29-06-2026 02:00 AM
لم يكن إطلاقُ صافرةِ النهاية في مواجهةِ منتخبنا الوطنيّ أمامَ نظيرهِ الأرجنتينيّ في ختامِ دورِ المجموعاتِ لمونديالِ 2026، مجردَ إسدالِ ستارٍ على مشاركةٍ تاريخيةٍ بكرٍ لـ "النشامى" في المحفلِ العالميّ الأبهى؛ بل كان، في جوهرهِ الفلسفيّ والتكتيكيّ، إعلانًا صريحًا عن ولادةِ الوعيِ الكرويّ الأردنيّ الجديد. إنَّ الوقوفَ في وجهِ مدارسَ عريقةٍ بحجمِ النمسا والجزائر والتانغو الأرجنتينيّ قد كشفَ بجلاءٍ لا غَبَشَ فيه عن فجوةٍ تكتيكيةٍ وبنائيةٍ تفصلُ واقعَنا المحليّ عن المَجَرّةِ العالميةِ الصارمة. غيرَ أنَّ العَيْن الاستراتيجية لا تقفُ عندَ عَتَبَاتِ الخسارةِ العابرة، بل تَرى في هذا المخاضِ العسيرِ "نقطةَ ارتكازٍ" كبرى للانعتاقِ نحو التخطيطِ العلميّ الرصين، مستلهمينَ في ذلكَ "التجربةَ اليابانيةَ" الفذة؛ تلك التجربة القائمة على "خطة المائة عام" ومستهدفات "رؤية 2050" التي أطلقها الساموراي عام 2005، والتي لا تتعامل مع الساحرة المستديرة كنبضةِ حماسٍ تذروها الرياح، بل كمنظومة هندسية صارمة تُعنى بالصناعة الجينية والفنية للاعبين منذ سن السادسة، وتوحيد الهوية التكتيكية للدولة، وتصنيف مؤشرات الأداء كقضية أمن قومي رياضي تُبنى على مدى العقود لتتويجهم بالذهب العالمي حتميةً رياضية لا صدفةً عابرة.
وفي هذا اليومِ الأغرّ، الثامن والعشرين من حزيران، الذي يزدانُ به الوطنُ احتفاءً بعيدِ ميلادِ سموّ وليّ العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني -حفظه الله ورعاه-، الملهمِ الأوّل والراعي الأكبر لجيادِ الشبابِ الأردنيّ الطموح، فإنَّ التحيّة الأسمى والهدية الأوقع التي تزفُّ لجيلِ الغدِ هي المأثرةُ الملكية التي تحوّلُ الشغفَ الشعبيّ الجارف إلى بنيةٍ مؤسسيةٍ سيادية. ومن هنا، فإننا نصوغُ الدعوةَ نُخبويّةً بالغةَ الأثر: تأسيس "الهيئة العليا للتطوير الكروي الاستراتيجي"، على أن تكونَ مرتبطةً مَقَامِيًّا ومباشرةً بمكتبِ سموّ وليّ العهد. هذه الهيئةُ لن تكونَ تكريسًا للبيروقراطيةِ الرياضيةِ المعهودة، بل ستُمثّل "مجلسَ أمنٍ كرويّ مستدام"، يمتلكُ الولايةَ العامة والتنفيذيةَ المطلقة لصياغةِ صرحٍ كرويّ عابرٍ للمجالسِ المؤقتة، تحتَ مسمّى "ميثاق عمّان الكروي"، غايتهُ الاستراتيجية وضعُ الأردن في طليعةِ القوى الكرويةِ العالمية.
ولكي تنهضَ هذه الهيئةُ الملكيةُ بعبءِ إسقاطِ التجربةِ اليابانية على التربةِ الوطنية، فإننا نرفعُ إلى سُدّةِ القرارِ حُزمةً من التوصياتِ البنيويةِ الحاسمة:
*الحوكمة الشاملة والخصخصة المؤسسية: تحويل الأنديةِ المحليةِ من رداءِ الجمعياتِ المثقلةِ بالديونِ إلى شركاتٍ استثماريةٍ تخضعُ لرقابةٍ ماليةٍ وإداريةٍ صارمة لتعزيزِ بيئةِ المالِ والأعمالِ الرياضية.
*المختبر الوطني المستدام للمواهب: تدشين مراكزَ استكشافٍ علميةٍ فائقةِ الدقة في المحافظاتِ كافة، تتبنى النوابغَ من سنّ السادسةِ وفقَ برامجَ غذائيةٍ، وصحيةٍ، وتعليميةٍ تضاهي الأكاديمياتِ العالمية.
*دبلوماسية التصدير والاحتراف الخارجي: صياغة اتفاقياتٍ استراتيجيةٍ وتوأمةٍ مع كبرياتِ الأنديةِ الأوروبية لتهيئةِ وتسهيلِ هجرةِ اللاعبِ الأردنيّ يافعًا (دون الثامنة عشرة) إلى الدورياتِ الخمسةِ الكبرى لكسرِ رهبةِ المسارحِ العالمية.
*الأكاديمية العليا لإعداد الكوادر: بناءُ صرحٍ أكاديميّ يتولى تأهيلَ المدربين، والإداريين، ومحللي البياناتِ الوطنيين، لصهرِ المنظومةِ كاملةً في بوتقةِ "هويةٍ تكتيكيةٍ أردنيةٍ موحدة" تسري في عروقِ المنتخباتِ كافة.
*الموجة التكنولوجية والطب الرياضي المتقدم: توظيفُ أدوات الذكاء الاصطناعيّ والتحليلِ الرقميّ للتنبؤِ بالإصاباتِ ورفعِ الكفاءةِ البدنية والفيزيولوجية للاعب، مع تأسيسِ مركزٍ مرجعيّ للاستشفاء الرياضي.
إنَّ ملحمةَ مونديال 2026 قد برهنت للقاصي والداني أنَّ جيناتِ الفرسانِ والروحِ القتالية تتدفقُ بغزارةٍ في عروقِ لاعبنا الأردنيّ؛ بيدَ أنَّ الروحَ دونَ علمٍ ومنهجيةٍ تظلُّ قاصرةً عن تفكيكِ شفراتِ المدارسِ اللاتينيةِ أو مجاراةِ الآلةِ الأوروبيةِ الصارمة. إننا بحاجةٍ إلى "أنسنةِ التخطيط وهندسةِ الطموح". ومتى ما بلغت هذه الرؤيةُ مَسامِعَ صانعِ القرارِ واستقرّت بين يَدَيْ رائدِ الشباب، فإنَّ خارطةَ الطريقِ بملفّاتها التنفيذية، وهيكلتها اللوجستية، ومؤشراتها القياسية الحاضرة قاطبةً، تقفُ بكاملِ جهوزيتها الاستراتيجية للمثولِ بين يديْ سموّه؛ عَرْضًا ينهي عهدَ الإرتجال، ويَدْلفُ بالوطنِ نَحْو عَصْرِ الهَنْدَسَةِ الكرويّة الشاملة لهندسة الرؤيّة الملكيّة لصياغة المجد القادم. فالعُرْفُ التاريخيّ يقضي بأنّ العطايا التي تنسابُ من لَدُن صَاحِبِ العِيدِ تكُونُ أبهى صِدْقًا، وأرفعَ قدْرًا، وأَبْقى أثرًا؛ ولا أحْفَلَ ولا أَبْجَلَ لجيلِ الغدِ الواعد من "أُقْصُوصَةِ مجدٍ كرويّ" يَهَبُها الحسينُ للشبابِ الأردنيّ الطَّمُوح، لتكُونَ عَقْدَ جِيلٍ، ومِيلادَ وطنٍ لا يَرْضى بغيرِ سَدّةِ المَجْدِ مُسْتَقَرًّا ومَقَامًا.