حين يتحدّث شريعتمداري باسم البحرين
تمام أبو صافي
29-06-2026 02:03 AM
لم تكن تصريحات حسين شريعتمداري الأخيرة بشأن البحرين سوى حلقة جديدة في مسلسل قديم من الأوهام السياسية التي يصرّ النظام الإيراني على إعادة بثها كلما اشتدت أزماته الداخلية. فالرجل الذي يزعم أن البحرين جزء من إيران لا يتحدث بصفته صحفيًا مستقلًا أو باحثًا تاريخيًا، بل بصفته أحد أبواق المنظومة الأيديولوجية المرتبطة بالحرس الثوري، والتي حوّلت صحفًا إيرانية عريقة إلى منصات للدعاية السياسية والتحريض الإقليمي.
فصحيفة «كيهان» التي يرأس تحريرها شريعتمداري لم تعد منذ سنوات صحيفة بالمعنى المهني للكلمة، بل أصبحت أشبه بمكبر صوت يردد ما تريده مراكز النفوذ في طهران. وما يكتبه رئيس تحريرها ليس تحليلًا سياسيًا بقدر ما هو ضجيج إعلامي يُستخدم للتغطية على أزمات حقيقية تعصف بإيران نفسها.
والسؤال الذي يستحق الطرح: لماذا تعود هذه المزاعم الآن؟ الإجابة تكمن في طبيعة النظام الإيراني ذاته. فالنظام الذي عجز عن معالجة أزماته الاقتصادية والاجتماعية المزمنة لا يملك سوى صناعة الأعداء واختلاق الأزمات الخارجية للهروب من مواجهة الداخل. فمنذ سنوات يعاني الإيرانيون من تضخم مرتفع، وتراجع القدرة الشرائية، وبطالة واسعة، وفساد مستشرٍ، وهيمنة الحرس الثوري على قطاعات واسعة من الاقتصاد، في وقت تتضاءل فيه فرص الشباب وتُقمع الحريات السياسية والمدنية بصورة متزايدة.
أما في ملف حقوق الإنسان، فقد شهدت إيران خلال العام الماضي مستويات قياسية من الإعدامات، وفق ما وثقته منظمات حقوقية دولية، في وقت تتزايد فيه حملات القمع والملاحقات ضد المعارضين والناشطين والصحفيين، وهي حقائق تفسر لماذا يحتاج النظام باستمرار إلى اختراع أزمات خارجية لصرف الأنظار عن أزماته الداخلية.
وليست هذه المرة الأولى التي يطلق فيها شريعتمداري مثل هذه المهاترات، فقد كرر المزاعم ذاتها في مناسبات سابقة، وكان آخرها في ديسمبر الماضي، وهي تصريحات تكشف عن عقلية سياسية تحمل عدائية راسخة تجاه الدول العربية وسيادتها الوطنية، وتعيش على أوهام الماضي أكثر مما تتعامل مع حقائق الحاضر.
والأكثر إثارة للسخرية أن شريعتمداري يحاول تنصيب نفسه متحدثًا باسم شعب البحرين، والحقيقة أن شعب البحرين، بكل أطيافه ومكوناته، لا يحتاج إلى وصاية من مسؤول إعلامي تابع لمنظومة الحرس الثوري، فالبحرينيون اختاروا وطنهم البحرين، واختاروا قيادتهم الشرعية ممثلة في أسرة آل خليفة، وارتبطوا بمشروع دولتهم الوطنية الحديثة التي رسخت الاستقرار والتنمية والتعايش، وأثبتوا في مختلف المحطات التاريخية تمسكهم بسيادة بلادهم واستقلال قرارها الوطني.
إن المشكلة الحقيقية ليست في تصريحات شريعتمداري بحد ذاتها، بل في العقلية التي تنتجها، فعندما يفشل النظام الإيراني في معالجة التضخم والبطالة والفساد وتراجع مستويات المعيشة، يعود إلى الأسطوانة ذاتها: البحث عن عدو خارجي وإثارة نزاعات لا وجود لها إلا في مخيلته.
لكن البحرين كانت وستبقى دولة عربية مستقلة ذات سيادة، بقيادة آل خليفة، أما ضجيج شريعتمداري فلن يكون أكثر من صدى لأزمة يعيشها النظام الذي يتحدث باسمه.