الأمير الحسن .. حين تتحول الهجرة إلى مشروع حضاري للضمير
السفير د. موفق العجلوني
29-06-2026 05:38 PM
ليست كل الاحاديث والخطابات التي يكتبها رجال الدولة مجرد مناسبات عابرة، فبعضها يتحول إلى وثيقة فكرية تستحق التأمل، لأنها تعيد ترتيب العلاقة بين التاريخ والواقع، وبين الدين والمسؤولية، وبين الإنسان ومحيطه الحضاري. وهذا ما نجده بجلاء في حديث صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال حفظه الله المشور في عمون الغراء اليوم نقلاً عن الاهرام بمناسبة العام الهجري الجديد.
ليس من السهولة بمكان تناول حديث سمو الامير الحسن ، لان سمو الامير غير، وعندما يتحدث غير، وعندما يكتب غير و عندما يحلل غير و عندما ينتقد غير و عندما يغضب غير حتى عندما يطلق ابتساماته و ضحكاته غير ، فقد تجاوز سموه حدود الاحتفاء بذكرى الهجرة النبوية، لينقلها من إطارها الزمني إلى فضائها القيمي، مقدماً الهجرة باعتبارها مشروعاً دائماً للنهوض الأخلاقي والإنساني، لا مجرد محطة في سجل التاريخ الإسلامي. وهي قراءة تنسجم مع المدرسة الفكرية التي عُرف بها سمو الأمير الحسن، حيث تتكامل الأصالة مع العقل، والإيمان مع العمل، والهوية مع الانفتاح على القيم الإنسانية الجامعة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في حديث سموه هو إعادة وصل مكة والمدينة والقدس بوصفها منظومة روحية واحدة، لا تفصل بينها حدود السياسة ولا الجغرافيا. فالقدس، كما يقدمها سموه، ليست قضية نزاع سياسي فحسب، بل امتحان دائم لضمير الإنسانية، وميزان لمدى التزام العالم بقيم العدالة والكرامة وحق الشعوب في الحفاظ على هويتها.
وفي هذا الطرح تتجلى خبرة امير أدرك أن حماية القدس لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما بصيانة الإنسان المقدسي، ودعم مؤسساته التعليمية والصحية والثقافية والاجتماعية، لأن المدن لا تحيا بالحجارة وحدها، وإنما بأهلها الذين يمنحونها روحها وذاكرتها واستمراريتها.
كما يستحضر سمو الأمير الحسن صورة القوافل الإسلامية القديمة، لا بوصفها حنيناً إلى الماضي، بل نموذجاً حضارياً للتواصل والتكامل وتبادل المعرفة. ويعيد توظيف هذا الإرث ليؤكد أن وسائل العصر قد تغيرت، لكن الرسالة بقيت ثابتة؛ وهي بناء الجسور بين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين المجتمعات وقيمها المشتركة.
وتبرز هنا في حديث سموه أيضاً رؤية إصلاحية عميقة حين يربط سموه بين العبادة والعمل، وبين الإيمان والمسؤولية الاجتماعية. فالزكاة والوقف والتكافل ليست مفاهيم وعظية مجردة، وإنما أدوات لبناء مجتمع قادر على حماية كرامة الإنسان وترسيخ العدالة والاستقرار، وهي قراءة تعكس فهماً مقاصدياً للإسلام بوصفه دين عمران وحضارة.
ومن موقع الأردن التاريخي، يؤكد سمو الأمير الحسن أن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ليست امتيازاً سياسياً، وإنما تكليف أخلاقي وأمانة تاريخية، تمارس باسم الأمة وخدمة لمقدساتها، وهو تأكيد يعكس الثوابت الأردنية الراسخة في الدفاع عن القدس والحفاظ على هويتها العربية والإسلامية والمسيحية.
ما تناوله سمو الأمير الحسن في حديثه لا يكتفي باستحضار الهجرة، بل يدعو إلى هجرة من السكون إلى الفعل، ومن الانقسام إلى التضامن، ومن الخطاب إلى الإنجاز. وهي رسالة تتجاوز حدود المناسبة لتصبح دعوة مفتوحة إلى إحياء الضمير الجمعي للأمة، وترجمة القيم إلى سياسات، والإيمان إلى عمل، والذاكرة إلى مسؤولية.
وفي زمن تتكاثر فيه الأزمات وتضيق فيه مساحات الأمل، يبقى الفكر المستنير الذي يمثله سموه مناراتٍ يحتاج إليها العالم العربي، لأنه يذكرنا بأن قوة الأمم لا تُقاس بما تمتلكه من موارد فحسب، وإنما بما تحمله من قيم، وبقدرتها على تحويل هذه القيم إلى مشروع حضاري يخدم الإنسان ويحفظ كرامته.
إنها رسالة امير هاشمي و رجل دولة، ومفكر، وإنسان، يدرك أن القدس ستظل عنواناً للعدل، وأن الهجرة ستبقى رمزاً للتجدد، وأن مسؤولية الأمة تبدأ من يقظة ضميرها قبل أي شيء آخر .
و في هذه المناسبة المباركة، يجدد صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال حفظه الله دائمآ حضوره الفكري والوطني، مؤكداً أن القيادة ليست مجرد موقع، بل رسالة تقوم على الحكمة والبصيرة وخدمة الإنسان. وستظل رؤيته المستنيرة، الداعية إلى العدل والتكافل وصون القدس وحماية كرامة الإنسان، منارةً تهتدي بها الأجيال، وتجسيداً لنهج هاشمي أصيل يجمع بين الإيمان والمسؤولية، وبين الانتماء الوطني والرسالة الإنسانية.
* المدير العام - مركز فر الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجيةً