من كان شريكاً في الإنجاز لا يستحق أن يُحمَّل وحده الكابوس
د. عبدالله حسين العزام
01-07-2026 09:37 AM
* بطل الأمس، متهم اليوم!
عاش الأردنيون لحظة تاريخية عندما نجح المنتخب الوطني في بلوغ كأس العالم 2026 لأول مرة في تاريخه. كان إنجازاً صنعته منظومة كاملة؛ لاعبون، وجهاز فني، وإدارة، وجماهير آمنت بأن "النشامى" قادرون على كتابة التاريخ. لم يكن الطريق إلى المونديال مفروشاً بالورود، بل جاء بعد مشوار طويل من التحديات والعمل والتضحيات، وكان كل فرد في المنتخب شريكاً في هذا الإنجاز.
لكن ما إن انتهت المشاركة المونديالية حتى بدأت رحلة البحث عن متهم، وكانت سهام الانتقاد تتجه بصورة كبيرة نحو حارس المرمى يزيد أبو ليلى، وكأن خروج المنتخب من البطولة كان نتيجة أخطائه وحدها، في قراءة تفتقر إلى الإنصاف وإلى أبسط أسس التحليل الفني.
يزيد أبو ليلى لم يكن حارساً استُدعي للمشاركة في كأس العالم فقط، بل كان أحد العناصر الأساسية في رحلة التأهل منذ انطلاق التصفيات. وقف في المباريات الصعبة، وتصدى لكرات حاسمة، وأسهم مع زملائه في بناء الثقة التي أوصلت المنتخب إلى أكبر إنجاز في تاريخ الكرة الأردنية. ولو لم يكن جزءً مؤثراً في هذا المشوار، لما وصل الأردن أصلاً إلى المونديال.
ومن هنا، فإن من كان شريكاً في صناعة الإنجاز لا يجوز أن يتحول فجأة إلى المسؤول الأول عن الإخفاق. فكما أن التأهل لم يكن إنجاز لاعب واحد، فإن الخروج أيضاً ليس مسؤولية لاعب واحد.
كرة القدم لعبة جماعية، والحارس هو آخر من تظهر أخطاؤه، بينما تسبقها سلسلة طويلة من الأخطاء تبدأ من سوء التنظيم الدفاعي، وغياب التغطية، وفقدان الكرة، وسوء التمركز، وربما سوء قراءة المباراة من الجهاز الفني. لذلك فإن اختزال أسباب الإخفاق في حارس المرمى وحده هو تبسيط مخلّ لا يعكس حقيقة ما حدث داخل الملعب.
المسؤولية الأولى في أي بطولة تقع على عاتق الجهاز الفني، فهو من يضع الخطة، ويختار التشكيلة، ويحدد أسلوب اللعب، ويتعامل مع مجريات المباراة، ويقرأ المنافس، ويجري التبديلات في توقيتها المناسب. وإذا تكررت الأخطاء الدفاعية، أو عجز الفريق عن مجاراة المنافسين تكتيكياً، فإن ذلك يستوجب مراجعة شاملة للمنظومة الفنية، لا تعليق الإخفاق على شماعة لاعب واحد.
لا أحد يدعي أن يزيد أبو ليلى لم يخطئ، فالأخطاء جزء من كرة القدم، ولا يوجد لاعب بمنأى عنها. لكن العدالة تقتضي أن يُحاسب الجميع بالمعيار نفسه. فمن غير المنصف أن يُغفل الحديث عن أخطاء المنظومة كاملة، بينما يتحول الحارس إلى العنوان الوحيد للنقد.
الأكثر قسوة أن بعض الانتقادات تجاوزت حدود النقد الفني إلى التقليل من قيمة لاعب قدّم الكثير للمنتخب، بل ووصل الأمر لدى البعض إلى التشكيك بكل ما قدمه، وكأن سنوات العطاء تبخرت بسبب بطولة واحدة. وهذا منطق لا يخدم المنتخب، لأن المنتخبات الناجحة تبني على تجاربها، ولا تهدم ثقتها بلاعبيها عند أول تعثر.
ورغم مرارة الخروج، فإن الحقيقة التي لا يجب أن تغيب هي أن المنتخب الأردني حقق إنجازاً تاريخياً بالوصول إلى كأس العالم، وأن هذا الإنجاز لم يكن ليُكتب لولا جهود جميع اللاعبين، وكان يزيد أبو ليلى أحد هؤلاء الذين أسهموا في صناعة هذا الحلم.
قد تكون المشاركة كشفت الحاجة إلى تطوير أكبر على المستوى الفني والتكتيكي، لكنها في الوقت نفسه أكدت أن الأردن يمتلك قاعدة يمكن البناء عليها للمستقبل. أما تحويل أبو ليلى إلى "شماعة" للإخفاق، فلن يعالج الأخطاء، ولن يطور المنتخب، بل سيكرس ثقافة البحث عن متهم بدل البحث عن حلول.
في النهاية، الإنصاف يفرض علينا أن نتذكر أن من كان شريكاً في الإنجاز يستحق أن يكون شريكاً في تحمل المسؤولية، لا أن يتحملها وحده. فالتأهل كان إنجازاً جماعياً، والإخفاق أيضاً مسؤولية جماعية، ومن الظلم أن يُختزل مشوار سنوات من العطاء في لحظات، أو أن يتحول بطل الأمس إلى متهم اليوم.