facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن .. وطنٌ لا يحتاج إلى بطولة ليُعرِّف العالم بنفسه


حاتم القرعان
02-07-2026 01:00 PM

في الآونة الأخيرة، ترددت عبارات تزعم أن العالم لم يعرف الأردن إلا بعد تأهله إلى كأس العالم. وهي مقولة تُجافي الحقيقة، لأن تأهل الأردن إلى هذا المحفل العالمي هو إنجاز رياضي نفتخر به جميعًا، لكنه ليس البداية التي عرف العالم من خلالها هذا الوطن. فالأردن كان حاضرًا في الوعي العربي والدولي منذ عقود، بمواقفه السياسية المتزنة، ورسالته الإنسانية، ودوره الإقليمي الفاعل. أما كأس العالم، فهو محطة مشرقة تُضاف إلى سجل إنجازاته، ولا يُنشئ تاريخًا لم يكن موجودًا، ولا يصنع مكانةً بُنيت عبر سنوات طويلة من العمل والمواقف.

الأردن ليس وطنًا ظهر اسمه مع حدث رياضي، ولا دولةً انتظرت مناسبة عالمية لتلفت الأنظار إليها. إنه وطنٌ نسج حضوره بخيوط الحكمة، ورسخ مكانته بثبات مواقفه، حتى غدا اسمه حاضرًا في المحافل السياسية والإنسانية والدبلوماسية، قبل أن يكون حاضرًا في ميادين الرياضة.

ومن هنا تبرز أهمية السردية الوطنية، فهي ليست رواية تُكتب على عجل، ولا رأيًا عابرًا يُطلق في فضاء مواقع التواصل، وإنما هي ذاكرة وطن، وخلاصة تاريخ، وتراكم مواقف صنعت هوية الدولة عبر الزمن. والسردية الوطنية لا تُبنى على حدث واحد، مهما كان عظيمًا، بل على منظومة متكاملة من الوقائع والإنجازات والثوابت التي تشكل شخصية الوطن. ولعل ما طرحه دولة عبد الرؤوف الروابدة حول مفهوم السردية الوطنية يضع الأساس الصحيح لهذا الفهم؛ فهي تقوم على الحقائق الموثقة، والوعي بالتاريخ، والقدرة على قراءة الأحداث في سياقها، بعيدًا عن الانفعال أو اختزال التاريخ في لحظة. فليس كل من امتلك منبرًا أو كتب منشورًا أصبح قادرًا على صياغة سردية وطن، لأن الأوطان لا تُكتب بالرغبات، ولا تُختزل بالانطباعات، ولا يجوز أن تصبح روايتها رهينة أن «كل عصفور يغرد على ليلاه».

ومن يقرأ تاريخ الدولة الأردنية يدرك أن القيادة الهاشمية كانت الركيزة الأساسية في ترسيخ هذه المكانة. فمنذ عهد المؤسسين، حمل الهاشميون رسالة الدولة القائمة على الاعتدال، وصون الكرامة الإنسانية، والدفاع عن القضايا العربية، حتى غدت السياسة الأردنية مدرسة في الحكمة والاتزان. ويواصل عبد الله الثاني بن الحسين هذا النهج، من خلال حضوره الفاعل في المحافل الدولية، ودفاعه المستمر عن مصالح الأردن، ونصرته للقضية الفلسطينية، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، إلى جانب جهوده في ترسيخ الأمن والاستقرار وتعزيز الحوار والسلام في منطقة تعصف بها الأزمات.

منذ تأسيس الدولة، اختار الأردن أن يكون صوتًا للعقل في منطقة تعصف بها الأزمات. لم يكن يومًا باحثًا عن الأضواء، بل كان ساعيًا إلى صناعة الاستقرار، ومدّ جسور الحوار، والإيمان بأن الحكمة أقوى من الضجيج، وأن الاعتدال أكثر بقاءً من الانفعال. ولهذا اكتسب احترامًا دوليًا لم تصنعه مباراة، ولا بطولة، بل صنعته عقود من السياسة المتزنة والقرارات المسؤولة.

وعلى الصعيد الإنساني، قدّم الأردن صورة مشرقة لوطنٍ يضع الإنسان قبل كل اعتبار. فعلى الرغم من محدودية موارده، استقبل ملايين اللاجئين من مختلف الجنسيات، وشاركهم لقمة العيش وشحّ المياه وضيق الإمكانات، دون أن يتخلى عن قيمه العربية والإنسانية. لقد كان ملاذًا لكل من ضاقت به الأرض، وبرهن أن عظمة الأوطان لا تُقاس بحجم مواردها، بل بحجم إنسانيتها.

كما كان للأردن حضور فاعل في عمليات حفظ السلام الدولية، وفي إرسال المساعدات والإغاثة إلى المناطق المنكوبة، إلى جانب دوره المستمر في الدفاع عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي ظل يدافع عنها في مختلف المحافل الإقليمية والدولية، انطلاقًا من مسؤولية تاريخية وموقف ثابت لم يتغير بتغير الظروف.

ولم يكن التاريخ غائبًا عن هوية هذا الوطن، فالأردن يحتضن إرثًا حضاريًا يمتد لآلاف السنين. على أرضه قامت حضارات عظيمة، وشهدت مدنه على تعاقب الأمم والثقافات، من البتراء المدينة الوردية، إلى جرش وأم قيس ووادي رم وغيرها من الكنوز الحضارية التي جعلت الأردن مقصدًا للباحثين عن التاريخ والجمال، ودليلًا على أن حضوره في ذاكرة العالم أقدم بكثير من أي بطولة رياضية.

ولا شك أن الرياضة تمثل إحدى أجمل وسائل التقارب بين الشعوب، وأن تأهل المنتخب الأردني إلى كأس العالم يعد إنجازًا وطنيًا وتاريخيًا يستحق الفخر والاحتفاء. لكن هذا الإنجاز يضيف صفحة جديدة إلى سجل الأردن، ولا يكتب الصفحة الأولى منه. فالأمم العريقة لا تبدأ قصتها ببطولة، وإنما تضيف البطولات إلى قصتها.

إن اختزال تاريخ دولة بأكمله في حدث رياضي، مهما بلغت أهميته، يجافي الإنصاف والمنطق. فمكانة الدول تُبنى عبر مواقفها، وإسهاماتها، واحترامها للإنسان، ودورها في صناعة الأمن والاستقرار، لا بعدد المشاركات في البطولات العالمية.

سيبقى الأردن وطنًا تُعرِّفه كرامته قبل إنجازاته، وتُعرِّفه مواقفه قبل أخباره، وتُعرِّفه رسالته الإنسانية قبل أي مناسبة عابرة. فالبطولات تبهج الشعوب وتخلّد لحظات الفرح، أما التاريخ فيخلّد الأوطان التي صنعت حضورها بالحكمة، والمبادئ، والإنسانية. ولذلك، كان الأردن معروفًا قبل كأس العالم، وسيبقى معروفًا بعدها، لأن الأوطان العظيمة لا تصنعها اللحظات، بل يصنعها التاريخ.

حفظ الله الأردن وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثّاني بن الحسين وولي عهده الأمين.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :